النخبة المصرية والوعي بالمحيط الحضاري

أحمد صبري السيد علي

بقلم : أحمد صبري السيد علي

ترى ما الذي تعلمه النخبة عن المحيط الحضاري لمصر ومكوناته الطائفية والعنصرية ؟ أو حتى ما مدى درايتها بالتنوعات الطائفية والعنصرية بالداخل المصري ذاته ؟

إن هذا التساؤل يفرض نفسه بشكل واضح بعد متابعة أداء بعض الشخصيات المنتمية لهذه النخبة سواء الدينية أو المدنية من قضية العلاقات مع بعض الدول أو بعض الأحزاب والتيارات ، بالاضافة لمتابعة موقفها من القضايا الطائفية .

يوصم الشعب المصري منذ عهد الفراعنة بالانطوائية والانكفاء على الذات ، ويستدل الباحثون على هذا الاتهام بأن مصر القديمة بالرغم من قوتها سواء في عهد الدولتين القديمة والوسطى إلا أنها لم تفكر في تجاوز حدودها على الإطلاق ، واضطرت لهذا التوسع في عهد الدولة الحديثة إضطراراً بعدما اصطدمت بواقع انها مضطرة للدفاع عن حدودها عبر التوغل بعيداً ، لكنها في المقابل كانت أقل الدول الإمبريالية القديمة في السعي نحو توسيع النفوذ . وتشهد قصة الطبيب المصري سنوحي بهذا الاحجام في التوسع ، وبالرغم من قوة الجيش المصري وانتصاره على جيش الرتنو (بلاد الشام) فإنه لم يفكر في مطاردته وتوقف عند الحدود المصرية كما تنص القصة الشهيرة .

إن المصري يتحدث عن مصر دائماً كما لو كانت بمعزل عن العالم ، أو أن سكانها يمثلون استثناء بين كل البشر في حياتهم وطبيعتهم ، وعلى القوانين الكونية أن تراعي دائماً هذا الاستثناء ، وبالتالي فما يحدث بكل العالم شأن لا يخصه بل أحياناً ما يحدث في مدينة مصرية أخرى أو في حي مجاور ، فالمحيط الضيق الذي يقطنه وعائلته هو محور اهتمامه اليومي .

وبالرغم من أن هذه السلبية تمثل عائقاً كبيراً أمام الوعي الثقافي والسياسي ، وكانت مدخلاً لكل الدعاوى الساذجة والسيئة النية حول إرتباط مصر بمعتقد محدد ونظام حكم محدد يجب أن يظل قائماً مهما كان فاسداً وعقيماً كونه يعبر عن خصوصية مصر ، فإن النخبة المصرية ذاتها تعاني بوضوح من نفس السلبيات التي يعاني منها الباقين ، وبالتالي فهي تقع في ذات الأخطاء والأسوأ أنها غير قادرة حتى الآن على توصيف موضع الخلل في منظومتها ناهيك عن محاولتها تجاوزه .

يمثل المحيط الحضاري لمصر المناطق الجغرافية المحيطة والتي تشترك معها في التراث ، التاريخ ، الثقافة واللغة كالعالمين العربي والإسلامي في القارات الثلاث آسيا وأفريقيا وأوروبا ، أو تشاركها في مكون ما كالعلاقة مع إثيوبيا التي تشارك مصر في التواجد على حوض نهر النيل ، بالاضافة للعلاقة بين الكنيستين المصرية والأثيوبية المشتركتين في العقيدة المونوفستية ، مع وجود طائفة إسلامية كبيرة فيها ، أو كالعلاقة مع دولة كاليونان تشترك مع مصر في الانتماء للموروث الحضاري الهيلينستي .

إن أهمية هذا المحيط الحضاري لمصر يتمثل في كونه يعد بمثابة الامتداد الاستراتيجي والذي يمكنها عبره من إقامة عدد من العلاقات الحيوية وتحقيق قدر من النفوذ السياسي والاقتصادي مما يحقق لها قدراً من الاستقلالية في القرار ، وبالتالي فمن الضروري على النخبة المصرية ان تمتلك ثقافة حقيقة بالأوضاع التي تخضع لها كل دولة وإقليم في هذا المحيط . على أن ممارساتها ورؤيتها للمحيط الأقرب لمصر تشير بوضوح لمدى وعيها بمثل هذه التفاصيل .

لقد سعت النخبة ومنذ بداية الأحداث في سوريا إلى الترويج لها باعتبارها ثورة الشعب السوري ضد الرئيس بشار الأسد ، وكان هذا الزعم ، إذا تم تناوله من منطلق النوايا الحسنة ، جهلاً واضحاً بالأوضاع في سوريا وطبيعتها ، وهذا بالرغم من أن سوريا من الدول القريبة جدا لمصر من الناحية الحضارية واللغوية .

لا تدرك أن النخبة أو ربما تتجاهل أن سوريا تمثل موزاييك من الطوائف والعناصر المتداخلة اختلافاً واتفاقاً في تراثها وثقافتها ، ولم يكن يجمعها طوال الفترة الماضية سوى علمانية النظام الحريص دائماً على عدم الظهور بأي مظهر طائفي بالرغم من الاتهامات المزيفة التي تطلقها المعارضة تعريضاً بانتماء حافظ الأسد للطائفة العلوية في محاولة لتحفيز السنة السوريون لذين يشكلون الغالبية من السكان ضد مواطنيهم العلويين ، وهو ما يعكس إفلاساً سياسياً في جوهره أكثر مما يمثل حقيقة واقعة ، فالعناصر المسيحية والسنية بالنظام أكثر عدداً وتأثيراً من نظرائهم العلويين والشيعة .

ربما كان النقد الأساسي الذي يمكن توجيهه للنظام البعثي في سوريا هو قمعه السياسي ، بالاضافة للانتقاد الخاصة بأوضاع القومية الكردية في سوريا خاصة المجردين من الجنسية ، لكن في المقابل فقد حرص النظام في سوريا وحتى هذه اللحظة على دعم الطبقة الوسطى وخاصة الموظفين منها ، كما ساهم لحد كبير في ازدهار النشاط الاقتصادي والتخفيف من اعباء البطالة وهو ما لا يسمح في الفترة الحالية باشعال ثورة جماهيرية حقيقية ، وذلك بغض النظر عن الحريات السياسية .

لقد كانت علمانية النظام في سوريا ووقوفه على مسافة متساوية من جميع الطوائف ، ودعمه الاقتصادي للمواطن السوري أحد أهم معالم قوته واستمراره حتى الآن ، بالرغم من الانتقادات السياسية الموجهة له ، وهو ما دفع الطوائف الأخرى من الشيعة والعلويين والدروز والمسيحيين ، بالاضافة للسنة من الطبقة الوسطى والريف لدعم النظام في مواجهة المجهول الذي تدعو إليه التظاهرات المحرضة ضد العلويين ، وهو ما أثار خوف الأقليات غير السنية ، كما أثار خوف السنة ذاتهم من الأبعاد السلفية لهذه التظاهرات خاصة مع كون غالبية السنة في سوريا من الأشعرية وذوي الاتجاهات الصوفية التي تحظى بقدر هائل من سخط وتكفير السلفيين .

إذن الحديث عن ثورة شعبية ضد نظام البعث في سوريا لا يعدو ان يكون جهلاً أو دجلاً من هذه النخبة التي لا تتجاوز ثقافتها ووعيها بالاحداث حول مصر ما تقرأه في الجرائد دون أي محاولة لبذل الجهد في المعرفة ، وسرعان ما تصدر وعيها الضحل للجماهير عبر وسائلها الإعلامية وتتخذ هذه الجماهير موقفاً انفعالياً دون وعي بمدى تأثير هذه المواقف تجاه الأحداث الخارجية على الأوضاع المصرية ، بل أن البعض قد ينظر إلى من يتحدث عن خطورة ما يحدث في سوريا على مصر باندهاش متهماً إياه بتصنع المعرفة .

لقد أدركت جماعة الإخوان المسلمين في مرحلة مبكرة هذه السلبية لدى النخبة المصرية المهتزة معرفياً والتي دعت سابقاً لقطع العلاقات مع سوريا ودعم إسقاط نظامها الذي وصفته بالطائفية ، كما انتقدت إعادة العلاقات مع طهران بدعوى دعم إيران لنظام الأسد ، متجاهلين تماماً وجود علاقات ثابتة مع الأمريكيين والانجليز الذين يدعمون الكيان الصهيوني ضد العالم العربي منذ نشأته ، وبالتالي وفي مؤتمر هيستيري تماماً قام الرئيس الذي حرضت النخبة على انتخابه بالإعلان عن قطع علاقات مقطوعة بالاساس مع سوريا ، كما قام أنصاره من السلفيين بوصف الشيعة بالانجاس مطالبين إياه بتطهير مصر من الروافض .

وبلغ الابتذال أقصاه عندما قالت إحدى الإعلاميات أن إيران تضطهد إخواننا السنة في الأحواز ، وبغض النظر عن أن الأحواز ذات غالبية شيعية وكانت بها إمارات شيعية حتى سنة 1924 كإمارة المشعشعين وإمارتي البوناصر والبوكاعب ، وبغض النظر كذلك عن أن الإعلامية المعروفة تناولت الموضوع من منطلق طائفي عدائي تجاه إيران متناسية ما تعانيه طوائف عدة من إضطهاد بمصر وأولهم الشيعة والبهائيين والأحمدية بما لا يسمح لها بالكلام بكل هذا الاستعلاء ، فإذا نحينا كل هذا يبقى المعروف والمؤكد لكل المصريين والعالم أن الفسلطينيين الذين يعيشون في غزة والضفة وحتى في الكيان الصهيوني هم من أهل السنة كذلك ويتعرضون للاضطهاد ولا يدعمهم سوى إيران وحدها ، فلماذا لم يتم المطالبة بنفس هذه الهيستريا بقطع العلاقات مع الكيان الصهيوني ؟

في برنامج شهير على قناة القاهرة والناس استضاف أحد الإعلاميين شخصية منشقة عن الإخوان المسلمين ، وحرص هذا الإعلامي ضمن حملته الهجائية ضد الإخوان على التأكيد على أن الإخوان يشبهون الشيعة في محاولة لاثبات مدى إنفصالهم عن التربة المصرية ، باعتبار أن الشيعة هم أيضاً نبتة غريبة عن هذه التربة ، وبقدر ما كانت المحاولة مثيرة للاشمئزاز ، رغم الاتفاق مع هذا الإعلامي على العداء للإخوان ، بقدر ما هي تعبر عن الجهل بالتاريخ المصري والتشيع في آن واحدا والسعي لاستخدام حتى أردأ أدوات الدجل في مواجهة الخصم .

لقد كانت حادثة استشهاد أربع مواطنين مصريين شيعة بهذا الأسلوب الحيواني والهمجي بقرية زاوية أبو مسلم صدمة للجميع ، ولا يمكن تحميلها للتيارات السلفية وحدهم ، فالتيارات المدنية في المقابل استخدمت هذه الطائفية في التحريض على النظام السوري وعلى العلاقات مع إيران خشية الاستقواء بها من قبل الإخوان ، وعندما يمارس التيار المدني العقلاني نفس أسلوب خلط الأوراق الذي يمارسه التيار الديني المتهم بالرجعية ، فالنتائج تكون دائماً بهذا المستوى من الكارثية .

لم تظهر حادثة استشهاد الشيعة الأربعة مدى ما ورطت فيه النخبة الشعب المصري من تخبط فقط ، بل أظهرت كذلك أن تعاملها مع القضايا الخارجية والعلاقات مع الدول وحتى وعيها بالطوائف المتواجدة في المحيط الحضاري لمصر لا يساوي أكثر من صفر ، هو نتيجة أساسية لثورة وجماهير خاضعة لنخبة بهذا المستوى .

أما عن وعي هذه النخب السياسية بالأوضاع في النوبة المصرية ومن هم الأمازيغ المصريين ، وعلاقة قبائل هوارة المصرية بنظرائها في تحالف الطوارق المنتشر بشمال أفريقيا والذي يخوض حرباً في مالي لتحرير إقليم أزواد قد تمتد إلى دول أخرى مثل النيجر وتشاد وليبيا ، ومؤثراته على مصر وجنوبها ، فإن مجرد التساؤل يثير السخرية وثمة شكوك أن يكون لدى أي من هذه النخب متابعة أساساً لمثل هذه الأحداث .

المصدر : الدولية.نت (350)

email

مقالات ذات صلة