رحل شهر رمضان… فمن يلتفت إلى حال الأمة ؟!

مصطفى قطبي

مصطفى قطبي |

استقبل العرب عيد الفطر هذا العام بمزيد من الحزن والأسى على ما آل إليه الوضع في وطننا العربي الكبير الذي صار ينزف دما في معظم أركانه… في العراق وسوريا واليمن ومصر وليبيا وتونس… كنا في السابق مشغولين بقضية واحدة هي القضية الفلسطينية… قضية التف حولها العرب… أما اليوم فصار كل بلد مهموماً بمشاكله الداخلية التي تفجرت بعوامل خارجية… انظر إلى حمامات الدم في أكثر من بلد عربي… وطن يموج بالصراعات الداخلية التي أشعلتها تنظيمات متطرفة وجماعات تكفيرية تتلقى دعماً وتمويلا من مصادر عدة سواء في الداخل أو في الخارج!

ليس هناك من مصيبة أكبر من أن العنف والدماء وإزهاق الأرواح ـ وأغلبها بريئة ـ في سوريا والعراق ومصر وليبيا وتونس واليمن وغيرها، يجري بإسم الدين والتعصب الطائفي. ونتساءل: كيف صام هؤلاء الذين يتبنون العنف، أيّاً كان، لتحقيق هدف سياسي؟ وكيف فجروا وقصفوا وحتى ـ يا للبشاعة ـ ذبحوا وهم يهتفون بإسم الله؟

هو الأميركي والإسرائيلي والغرب الاستعماري وغير أولئك من قوى عالمية تصطرع على النفوذ والهيمنة والمصالح العالمية في أرضنا العربية، وتكتب استراتيجياتها وانتصاراتها وهزائمها بدمنا، وتأخذ منا تكاليف قتلنا ودفننا…، وتتنافس على دور أكبر يمكنها من محو عروبتنا وإسلامنا، وحشرنا في مصائد الموت بما لا يقبل خروجًا منها… ها قد أصبحنا قبائل ما قبل داحس والغبراء، وأصبح كل وجه من وجوه ”عصر الطوائف والأعراق والمذاهب” في أرض العرب والمسلمين اليوم واجهة للجهة التي تحتضنه وتحرضه على أخيه أو ذاك الذي ”كان” أخاه، وهو منتشٍ يتنمر وهو يخوض في دم أخيه وعرضه أخيه، بينما يسلم لتلك القوى أمره وقياده، ويشكرها راكعاً وساجداً إن هي رضيت عنه وأبقته ممسحة بيدها، وستاراً لأطماعها تسدله أمام العميان ليرى كل منهم سواد الليل إن لم يقرأ بياض مستقبله في وجوه أعدائه وإن لم تبرق أسنانهم بانفراج شفاههم عن ابتسامات الرضا عنه والتشجيع له؟!

فالخسائر الجسيمة في الأنفس البريئة وعمليات التهجير وفقد الأحبة والأوطان والممتلكات وغياب الأمن والاستقرار والجراح في الأنفس والأجساد بلغت حداً لا ينبغي السكوت عنه وتجاوزه، هذا فضلا عن مخاطر التقسيم والصراعات الطائفية والأهلية والتدخلات الأجنبية في هذه الدول بخاصة.

وفي موقف آخر ورأي مغاير وسلوك مناقض وعمل يتعارض مع سابقه يفتي البعض ويحرض ويدعو إلى الفتنة وإلى تكفير أخوة لهم من المنتمين إلى الدين الإسلامي ممن يتحدثون باسمه ويحملون هويته، ويشاركونهم الإيمان والشهادتين والصلاة والصوم والزكاة وأداء فريضة الحج؟ بل وأكثر من ذلك فهم أبناء وطن واحد، أي يشتركون في المواطنة والإنسانية ولهاتين المفردتين من السعة في حجم المسئولية والقيم والعمل المشترك ما يؤدي في حالة تجاهلهما وتجاوزهما وإلغاءهما من القاموس العام إلى ضياع الوطن وانهيار مؤسساته وافتقاد الأمن والاستقرار وإدخال المجتمع في نفق من الصراعات الطائفية والمذهبية والحزبية والأيديولوجية ما تؤدي إلى ما نراه اليوم في الصومال وسوريا والعراق ومصر ودول عربية أخرى تسير وفق مؤشرات كثيرة إلى ذات المنزلق الخطير والنفق المظلم.

هل يمكن أن نطلق على هذه الدول أو الإمارات أو المذاهب المتناحرة والمتصارعة فيما بينها والتي تفوح روائح الموت والكراهية والتعصب والدعوات إلى المزيد من القتل والتناحر من سلوك وأفعال وأقوال وتصرفات القادة والساسة والثوار وبعض العلماء ومن يسير في ركابهم، وتحول السيارات المفخخة والأسلحة المتطورة فيها البشر إلى أشلاء والمساجد والمنازل والمنشآت القائمة إلى أكوام من التراب فتدمر وتهدم وتسفك من الدماء ما لم يقم به الأعداء الذين نحملهم جميع مصائبنا وإحباطاتنا وتخلفنا وضعفنا، هل يمكن أن نطلق عليها بالأمة العربية أو الوطن العربي؟ ومن هو الممثل الحقيقي والمتحدث الرسمي بإسم هذه الأمة لو سلمنا بأن الإسم قائم وصحيح ويمثل رمزاً لا يمكن التنازل عنه والتسليم بزواله وانتهاءه؟

نحن اليوم أمام شعب تفتت فئاتٍ وأحزاباً وتنظيمات في أقطار، ويقتتل حد التدمير والإفناء وتوريث للأحقاد لمن يسلم من الأبناء، وأمام حكومات تدافع عن وجودها كأنه أصل الوجود، واضعة ذلك الوجود فوق وجود الدولة ذاتها بمكوناتها التي أساسها الشعب والأرض، ومقدَّمًا عليها… وأمام دول تتشظَّى أو تكاد ويتهيأ الاستعمار للإجهاض عليها ولإعادة احتلالها، وأمام حكام يخوضون في دماء شعوبهم حتى الركب وهماً منهم بأنهم يبنون ويحررون ويصونون… يقاتلون باسم الوطن والشعب معارضات تقاتلهم باسم الوطن والشعب، وهي مرتهَنة لأعداء الأمة ولا تمثل إلا واجهات لمن يرتهنها، وهم أصبحوا مرتهنين لذلك الارتهان ولغيره ممن يضطرون إليه فيصبح ارتهاناً للوطن والشهب؟!

وأمام إرهاب أعمى يكتسح وجودنا الذي اكتسحه ويكتسحه الظلم والطغيان والقهر والتمييز وأطماع قصار النظر من القاصرين، والإرهاب بأفعاله وإجرامه يقدم الذرائع لمن يستثمرون فيه ويريدون من خلف استثماراتهم في الإرهاب تبديد وجود الأمة وهم أعداؤها التاريخيون وأعداء الهوية والعروبة والدين… وكل أولئك الشركاء في الإثم والدم والهدم والقتل… يخدمون عدو الأمتين العربية والإسلامية وعدو الدين/الإسلام، سواء أوعوا ذلك أم لم يعوه، قصدوه أم لم يقصدوه… وذلك العدو التاريخي هو ومن تجمعهم معه صراعات المصالح والسياسات المهيمنة… هم من يسخرون المتقاتلين جميعاً ويستفيدون من جاهليتهم وخبلهم وغيبوبتهم عن الوعي الوطني والقومي والديني والثقافي، واستغراقهم في الجهل والحقد ليلقي بهم جميعاً إلى التهلكة وينفذ مخططاته واستراتيجياته…

وأولئك الموجِّهون المستثمرون في تدميرنا وموتنا هم من يقبض منا ثمن القتل والدفن وإقامة الصلوات على الأموات في كل فعل يحرضون عليه أو يوحون به أو يقومون بتنفيذه ”حرصاًً على حياتنا”؟ إنهم هم أعداء العروبة والإسلام، إنهم: ”الصهيوني الإسرائيلي والأميركي الشمالي، والغرب الاستعماري، وكل من يدخل هذه الحرب/ الكارثة في بلداننا، أو يثير تلك الحرب ليحقق استراتيجية ومصالح ذاتية، وهيمنة دولية أو سياسات دولية جديدة… على حساب العرب والمسلمين الذين تتفتت أوطانهم، وتشرد جموعهم في أركان الأرض، وتسيل دماؤهم، ويُدمر عمرانهم، ويذوقون الذل والموت… ولكن بأيديهم أيضاً، ومنهم من ينتشي بأنه ينتصر وينصر الدين ؟! وما أولئك في واقع الأمر إلا من يفتح باب الويلات على أمته وشعبه ووطنه، ومن يضعف الدين، ولا يرضي راشداً…

لقد أصبح الدين الذي يُفترَض أنه المانع من الإثم والعدوان والظلم والضلال، وأنه الجامع الأقوى من كل جامع وصلة وقربى بين أتباعه، والحامل لآيات التسامح وأبعاد الحرية والعدل والمساواة، ولكل معطى من معطيات الحكمة والقيمة الخُلقية والروحية والإنسانية… أصبح مستند الجهَّال والفتاك والمرتزقة إلى الفتنة والضلال والاقتتال، فقد قدَّمه بعضهم وفسره ومارسه مفرِّقًا للصف والكلمة، مضعِفًا للأمة ومشوهًا للعقيدة، بل وموجبًا لذبح المختلِف وممارسة الفحش وهتك الأعراض وإحراق الزرع وتجفيف الضرع… وموجباً لتفرق أتباعه على المذاهب ”أتباعًا لأشخاص وليس للكتاب وسنة الرسول عليه الصلاة والسلام” ومسبباً لتطرفهم في التعصب لما يفهمون منه استناداً إليها، وهي في

أحسن الحالات اجتهاد على نص أو اقتداء بسلوك، يثاب صاحبهما إن أخطأ ولا يوجب اجتهاده الاتباع والتطرف إلى الحد الذي يراق معه الدم وترتكب الكبائر…؟!

وكثير من ذلك يجري من دون التفكير بضرورة العودة الواعية إلى المرجعيتين الأم: كتاب الله وسنة رسول الله، ومن دون إيمان عميق ودراية فقهية حاكمة للسلوك والفعل والفكر، بأن الإسلام رسالة سماوية ـ إنسانية شاملة تعلي مكانة القيم ومكارم الأخلاق والروح التي حرم الله والإنسان المستّهدف بالرسالات الإلهية، وأن الإسلام للناس كافة، ورحمة من رب العالمين.

لم تكن المذاهب في عهد الرسول ولا في عهد الخلفاء الراشدين، وكانت سنة رسول الله هي المتبعة من دون خلاف أو نقض أو اجتهاد هدام، ولم تكن التفرقة تحظى بتأييد ولا بدعاة، وقد دفنها الرسول ”صلى الله عليه وسلم” في رفضه الصلاة في مسجد بالمدينة المنورة رأى أنه بني للتفريق بين المسلمين أو أنه سيؤسس لذلك… وكان الناس يعودون فيما يختلفون فيه إلى ذوي العلم والفقه والفهم من المؤمنين… أما الذين يريدون اليوم أن يوردونا مورد المهالك بحجة المذاهب فهم يخرجون بالإسلام الصحيح عن مساره ليزجوا به وبنا في الجحيم وبؤس العصر، وليقتادوا الناس إلى حيث لا دين ولا قيم ولا رحمة ولا تسامح ولا حياة ولا كرامة.

فمَن مِن العلماء أو المؤسسات الدينية أو القادة أو الساسة يمكننا أن نأتمنه وأن نسلمه قيادة الأمة والمتحدث بإسمها وأن نرى فيه ما يمثل سماحة الإسلام وعظمته ومصالح المنتمين إليه في ظل هذه الفوضى الهائلة والكم الكبير من الفتاوى التي تطرح والمبادرات التي تطلق والشعارات التي ترفع والتي تهدم أكثر مما تصلح وتثير الفتن وتشحن العقول بدلا من أن تصلح النفوس وتدعو إلى المحبة والتآلف والتآزر بين أبناء الأمة وتعيق أي حراك أو جهد يسعى إلى إخراج الأمة من هذا المأزق الذي تعيشه والذي يدعي فيه الواحد ما ينقضه الآخر في طرفة عين؟

فلا نرى إلا سيوف تقطع الرقاب وتئد الحياة وتحول بياض المستقبل إلى سواد حالك، من يملك حق الإجابة على هذه الأسئلة الواسعة والمتشعبة والشائكة التي تخص حياة ومستقبل وواقع الأمة، هل هم العلماء أم المؤسسات الدينية أو الساسة والقادة؟

من يلتفت اليوم إلى حال الأمة ومن يشغله واقعها المؤلم ومن يسعى ويعمل على لم شملها والدفاع عن حقوقها؟ هل يفيد البكاء والعويل والصراخ والقول والكتابة شيئاً، هل تجد أذناً صاغية قادرة أو ترغب في الفعل الإيجابي والعمل على تحقيق الأهداف والغايات الكبرى التي ظلت على مدى أكثر من نصف قرن شعارات نرددها في وسائل الإعلام وفي اجتماعاتنا ومؤتمراتنا المتواصلة؟

وهذا يعني أننا في حاجة إلى سياسة جديدة بعد رمضان لمواجهة التحديات التي تفرض نفسها على المجتمع لتحصين الجماهير. فينبغي أن تضعنا الصورة القاتمة للمشهد العربي والإسلامي، أمام مسؤوليتنا كعرب ومسلمين، كقادة وساسة وبرلمانيين، علماء ومثقفين وإعلاميين وفاعلين… ولا بد من تمهيداً لهذا من وقف الحملات الإعلامية المسعورة المسفة وغير المسؤولة، لا سيما المذهبية والطائفية والعرقية منها، ويدخل في حكمها الحملات السياسية السفيهة الهابطة التي لا تحترم العقل ولا الحقيقة ولا الناس والعلاقات، ولا القيم والصلات التي تبقى وينبغي أن تبقى بين الناس، بل تدمرها وتهبط بها إلى أدنى درجات الانحطاط… كما لا بد من وضع حد لسوق الكلام ولمن يقودون تلك الحملات وينفخون فيها ويتخذونها تجارة… وأولئك في الأغلب الأعم، أشخاص ”طُرَفٌ” ومتطرفون في الفهم والاعتقاد والسلوك، أو سطحيون في الإدراك وفي ذلك الذي سبق وذكرت كله، لا يفقهون من الدين والقومية والوطنية والقيم الإنسانية والحريات والحقوق وبناء الدول والمؤسسات والإنسان الذي هو الهدف من ذلك كله والوسيلة إلى ذلك كله… إلا قشور القشور. إنهم يتقنون ذلاقة اللسان

ويتخذونها تجارة ويرونها شطارة، لا تعنيهم الكلمة الطيبة ولا ما تفعله وما يجب أن يستثمر فيها، ولا يهمهم ما يفعله الكلام الخبيث في خلق الله، لا سيما حينما تكون الأنفس في فورة والناس في ثورة.

علينا أن نسير وننطلق ونتوجه في هكذا طريق بدلا من الشحن الطائفي والمذهبي والفتاوى التي تبيح القتل وتدعو إلى الكراهية والتعصب وتعمق الفتنة والانقسام والانشطار وتنشر الجهل والتخلف والتي تمثل سلاحاً مدمراً يلتهم كل عمل صالح وجهد طيب ومبادرات مخلصة وأمل تحمله قلوب تدعو وتسعى لتحقيق المصالح العليا لهذه الأمة. فتحقيق النهوض والتطور والإصلاح، والاهتمام بالإنسان وتحقيق الرخاء والازدهار هو الذي يعطي للأوطان تميزها واستقرارها ويهيئ لمستقبل أفضل.

وكل عام وعيدكم سعيد.

> (555)

email

مقالات ذات صلة