سباق السّماسرة لإبادة الشّعب السوري…!

مصطفى قطبي

مصطفى قطبي |

من المفارقات في الأزمة السورية أنه في الوقت الذي تتوالى فيه المحاولات لطمس المشهد السياسي والتي من بينها الاستماتة في وضع العراقيل على الطرق الموصلة إلى حل سياسي وحوار سوري سوري، يتم تصدير المشهد الإنساني الماثل في الأوضاع المأساوية للاجئين السوريين سواء في الداخل أو الخارج، في رفض واضح لوضع الإصبع على جرح الأزمة والألم.

وتكمن المفارقة في أن الذين يعزفون على وتر الإنسانية ويذرفون دموع التماسيح على الأوضاع المزرية التي حلت بالشعب السوري وتحديداً اللاجئين، هم مخالب القط في هذه المأساة، فمن يعطل الحل السياسي ويدعم مقابله الإرهاب ويجند الإرهابيين والتكفيريين والمرتزقة ويجلبهم من أصقاع العالم ويفتح لهم مراكز تدريب، ويعقد لهم صفقات تسلح ضخمة، هم أولئك المتسببون فيما يحدث الآن من دمار وخراب هائل لسوريا، وهم المتلطخة أيديهم بدماء الشعب السوري الذي يسعون إلى إبادته ونفيه من وطنه، دافعين بأدوات إرهابهم لقتله واختطافه وتهجيره.

السوريون، نعم السوريون، أطفالا ونساءً وشيوخاً، هم بعد العز مادة تلك المشاهد وتفاصيلها وبثها على موجات أثيرٍ لا تنقل، وإن نقلت لا تُسمِع، وإن أسمعت لا يكاد يُجاب لها نداء؟! إنهم اللحم المقدّد في شتاء قطبي أينما كانوا… سواء أكانوا في مخيمات لهم داخل الوطن وخارجه، أو ممن يفترشون الأرض في حدائق المدن التي تأويهم وساحاتها وطرقاتها، لا يلوذون بجدار ولا تحميهم حتى خيمة تعبث بها العاصفة الهوجاء… أو ممن يسكنون كهوفاً أو بيوتاً شبه مهدمة، وأخرى لا دفء فيها…

فالتقارير الواردة عن الأوضاع الإنسانية للاجئين السوريين تبعث الألم والحزن، أن يصبح هؤلاء اللاجئون عرضة للابتزاز والانتهاكات المتعددة، وعرضة للأمراض تنهش أجسادهم البريئة وعرضة للجوع والفقر يغرزان أنيابهما في أجسادهم المجهدة، إنها مأساة تعبر عن تناقضات كبيرة تتخم بطون الكلاب، وازدواجية السياسات الدولية والنفاق الدولي بخاصة حين يتعلق الأمر بالقضايا العربية، فمن كان يصدق أن يرى ما يناهز المليون سوري مهجرين ومشردين من منازلهم، في خيم صغيرة تكتنز بأعداد كبيرة وتفتقد للمظاهر الصحية وأبسط الحقوق، ومن كان يصدق أن الملايين من الشعب السوري تتحول بين عشية وضحاها لقمة سائغة يفترسها الجوع والفقر…

ومن المهم الإشارة ـ لمن يجهل أو يتجاهل ـ إلى أن الشعب السوري قبل الأزمة لم يكن بحاجة إلى من يقدم له مساعدة إنسانية، وإنما كان المواطن السوري المثل الأبرز في الاعتماد على النفس في توفير لقمة العيش واستغلال أرضه والوفاء لها، فمأكله ومشربه وملبسه ومسكنه من أرضه، بل إن الشعب السوري كانت أياديه ممدودة بخيرات أرضه إلى أشقائه العرب من عرقه وكده، ويكفي أن سوريا لم تكن رهينة للمؤسسات الدولية الدائنة ولو بدولار واحد، إلا أن حقد الحاقدين وإرهاب الإرهابيين وتبعية العملاء يرفض رؤية شعب سوريا بهذا الكفاف والعصامية والبذل والعطاء، ويكره أن تساند سوريا أشقاءها المظلومين الواقعين تحت براثن الاحتلال الصهيوني وتنافح عنهم، فكان خيارهم سكب زيت حقدهم وكراهيتهم ونار إرهابهم على النحو الذي نراه.

إنها لعنة النفاق الدولي ومشاريع الاستعمار حين تنزل على الشعوب العربية لتعيدها إلى زمن القرون الوسطى، بينما تعاني بطون المنافقين والمستعمرين بخيرات دول المنطقة وشعوبها من التخمة، وما

يندى له الجبين أن تتحول أزمة اللاجئين السوريين في مخيمات اللجوء إلى ورقة مساومة وابتزاز بيد دول النفاق الدولي، في صورة هي أقرب إلى الاتجار بالبشر، بل لا ينطبق عليها إلا هذا الوصف.

فتحت شعار ”احترام حقوق الإنسان والحريات والديمقراطية والدولة المدنية” أناخ الاستعمار الامبريالي الغربي مطايا الإرهاب على أبواب دمشق أقدم العواصم العربية، مُجنِّداً له الأجناد من العملاء والوكلاء والأدوات من كل حدب وصوب، وكان له في كل زاوية ومدينة وقرية حكاية ورواية وبيئة حاضنة تلقفوا شعاراته الرنانة فكانت البداية لعملية التدمير الذاتي والبعثرة.

وبسبب تلك الشعارات أخذت الأرض السورية تبكي دماراً وتنزف دماءً جراء لوثة الإرهاب الفكري والدموي والتلغيم الآيديولوجي التي انبرى لها عدد غير قليل ممن انتسبوا إلى الإسلام بمسميات عدة ”علماء، وعاظ، دعاة، مرشدين، مفكرين، سياسيين…، والذين قالوا إنهم اجتهدوا ونظروا في النصوص وقاسوا الأشياء لا لوقف نزيف الدماء والدمار وخراب البيوت ودمار الأسر والمجتمع وتشريد الشعب السوري، وإنما لإنزال الإرهاب منزلة ”الجهاد” داعين إلى النفير العام من أجله.

لقد كانت عملية التساوق والتناغم بين الاستعمار الغربي الامبريالي وبين ممن يحسبون على الإسلام ونصاعته وعدالته وتحريمه لسفك الدماء دون وجه حق، خطأً جسيماً في تاريخ الأمة وتاريخ الإسلام الحديث ووصمة عار في جبين هذه الأمة، إلى جانب طابور العملاء والوكلاء حيث بدت هذه العملية عبارة عن تجارة رخيصة بحقوق الشعب السوري وبدمائه الذي يدفع فاتورتها ثمنًا باهظاً في مخيمات اللجوء أو في الداخل السوري، وتتبدى هذه التجارة الرخيصة المفضوحة من خلال:

أولا: العقوبات الاقتصادية التي فرضتها جامعة الدول العربية على سوريا والتي كان المتضرر الأول منها الشعب السوري بحرمانه من كل ما يعينه على الزراعة التي يعتمد عليها في عيشه، بهدف تعزيز صرامة العقوبات الاقتصادية الأوروبية والأميركية، يترافق مع معاقبة الشعب السوري وحرمانه من الغذاء والدواء، ضخ المزيد من الأموال لعقد صفقات السلاح والتدريب والتجنيد للعصابات الإرهابية التي تبيد الشعب السوري وتدمر مؤسساته الخدمية والاجتماعية، وحث كل دولة عضو في الجامعة على عقد صفقات سلاح لقتل الشعب السوري بصورة منفردة أو جماعية، وطبعاً هذا جانب من مواقف العار التي اتخذتها الجامعة العتيدة بحق هذه الأمة، وبحق الشعب السوري ودولته تحديداً.

ثانياً: قيام العصابات الإرهابية بسرقة الحبوب من المخازن وحرق مزارع المواطنين السوريين وقطع الطرق للاستيلاء على الشاحنات المحملة بالخبز أو الدقيق والتي تسيرها الحكومة السورية إلى السوريين بالمدن والقرى، وكذلك قيام هذه العصابات بتفكيك المصانع في مدينة حلب العاصمة الاقتصادية لسوريا وبيعها خردة للتجار الأتراك، فضلا عن المجازر الممنهجة واستخدام السلاح الكيماوي من قبل العصابات الإرهابية في خان العسل والحولة والغوطة وحمص ودير الزور واللاذقية والرقة وعدرا العمالية وغيرها.

ثالثاً: تعطيل أي حل سياسي ينهي الأزمة السورية ويحقق تطلعات الشعب السوري، لا سيما مؤتمر موسكو الذي ما أن أعلن عن موعد انعقاده، حتى انبرت قوى التآمر لإفشاله تارة بالوسائل الدبلوماسية والسياسية، وتارة بدعم غير مسبوق للإرهاب والدفع بأدواته لارتكاب المزيد من المجازر والتدمير.

اليوم يقف ناكبي الشعب السوري مكتوفي الأيدي يتلذذون بمشاهدة الموت البطيء يحصده وأنياب البرد القارس تنهش لحوم وعظام الأطفال والنساء هو أبلغ تعبير عن حقيقة مؤامرتهم على سوريا، إذ الهدف من عملية التشريد والتهجير ليس تمزيق عرى الترابط والألفة والمحبة بين مكونات الشعب

السوري فحسب، وإنما إنهاء أجيال عدة من السوريين على غرار ما حصل في العراق حيث أبيدت فيه أجيال نتيجة العقوبات الاقتصادية وقذائف اليورانيوم المنضب الذي لا يزال يبيد الأطفال العراقيين ويصيبهم بتشوهات خلقية…

وفي سوريا تتكامل عملية إبادة أجيالها من خلال العقوبات الاقتصادية وحرمانهم من الغذاء الصحي المتكامل العناصر ومن الدواء اللازم. فمخيمات كمخيم الزعتري وأطمة ومخيمات لبنان… لا توفر لمن هم بين أنيابها أدنى شرط إنساني للعيش والكرامة… فالوضع الإنساني المأساوي للاجئين السوريين وما يتعرضون له من معاناة، سواء كانت بسبب مضايقات الأجهزة الأمنية والاستخباراتية للدولة صاحبة مخيمات اللجوء، أو نتيجة ضعف الخدمات الإنسانية والمتطلبات المعيشية، بالإضافة إلى الاكتظاظ الشديد، كل ألوان المعاناة تلك ستظل وصمة عار تلاحق بالدرجة الأولى المتسببين فيها واستمرارها بتدخلهم في الشأن الداخلي السوري، وتأجيجهم لمظاهر العنف والإرهاب والقتل ضد الشعب السوري، وتدمير البنى الأساسية للدولة السورية التي تقدم خدماتها للشعب السوري الذي اضطر جزء منه إلى مغادرة منازله ومدنه وقراه وأريافه تحت وابل الإرهاب والعنف والقتل والتدمير الذي يديره الساعون إلى تدمير سوريا وإغراقها في الفوضى سعيًا إلى تنفيذ مشاريعهم الاستعمارية، وكذلك الانتقام من سوريا شعبًا وحكومة على مواقفها القومية والوطنية.

مؤلم ومحزن الإصرار على محاولات الدوس على الكرامة الإنسانية للشعب السوري، وتوظيف معاناته ومطالبه في هذه المحاولات الدنيئة والمتاجرة بأزمة سوريا في تكريس ضرب الكبرياء وإهانة مشاعر الاعتزاز والكرامة لدى المواطن السوري، وذلك بهدف تغيير مواقفه من قضاياه الوطنية والقومية التي يرفض التخلي عنها أو حتى مجرد مساومته عليها، وبهدف ملء قلبه بالأحقاد والكراهية والكفر بكل ما هو سوري وعربي وقومي، وبالتالي قتل المبادئ والقيم ومظاهر النخوة والشهامة والكرم والإباء والكبرياء، وكنزه بالانهزامية والخنوع والجبن والخوف والمهانة والذل، ليكون مواطنًا مستكينًا مهزومًا نفسيًّا مهزوز الثقة، متقبِّلًا كل ما يملى عليه، لا هوية ولا شخصية له، مطلوب منه أن يحمل مشاعر الأحقاد الطائفية والمذهبية العرقية؛ لأن هذه المشاعر وكل هذه المثبطات والإحباطات هي التي ستجعل من سوريا سوريات أو كانتونات طائفية متناحرة خدمة للمشروع الصهيو ـ أميركي، وضمانة لنجاح مشاريع الهيمنة والاستعمار.

ويبقى السؤال: لقد عقدت مؤتمرات عدة لمن يسمون أنفسهم المانحين وأصدقاء سوريا، وأعلن خلال تلك المؤتمرات عن تبرعات بمئات الملايين من الدولارات لمساعدة النازحين السوريين على تمرير الوقت الصعب الذي يعيشونه، فلماذا يتأخر وضعهم الإنساني، ولماذا شكواهم المستمرة عند كل لقاء لهم مع الإعلام، ولسان حالهم يقول أين ذهبت مئات الملايين التي قيل أنها خصصت لأجلهم؟

وبدورنا نتساءل، عن الملايين من الدولارات التي خصصت من المانحين في مؤتمراتهم، حيث بلغ حجم ما تعهد به ”المانحون” في مؤتمر الكويت للشعب السوري نحو 1.5 مليار دولار. رقم لو أضيف له ما تعهد به هؤلاء المانحون سابقاً للشعب السوري، لوجدنا أنفسنا أمام رقم كبير وكبير جداً، قادر على أن يغطي كل تلك الاحتياجات التي بات السوري، سواء أكان داخل وطنه أم لاجئاً، بأمس الحاجة إليها، وما كنا قد شاهدنا الحالة المزرية التي وصل إليها الآلاف منهم ممن يسكنون مخيم الزعتري الأردني أو بعض المخيمات في شمال العراق أو تركيا أو لبنان…!

وبهدوء شديد، نتساءل ومعنا يتساءل اللاجئون والنازحون السوريون، ومعهم الكثير من المراقبين حول العالم، أين ذهبت تلك التعهدات؟ وأين ذهبت تلك الأموال؟ ولماذا حتى الساعة نجد أن هناك مأساة بمعنى الكلمة تتجسد يومياً في مخيمات اللاجئين، رغم كل تلك الأموال التي تتدفق إلى السوريين في مثل هذه المؤتمرات؟

الغريب أن هذه المؤتمرات ـ التي توالت في عدة عواصم عالمية ـ فشلت حتى الساعة في أن تجد لها طريقاً على أرض الواقع، والاستنتاج الوحيد من كل ما سبق، أنّ تلك الأموال ظلت طريقها وذهبت بالمحاصصة إلى جيوب وحسابات القائمين على شؤون هؤلاء النازحين، ومنهم أولئك السماسرة الناعقين بأكذوبة الدفاع عن حقوق الشعب السوري والذين يتنقلون بين عواصم العالم بتذاكر مدفوعة وينزلون فنادق الخمس والست نجوم في العواصم الداعمة للإرهاب، ولتغطية صفقات السلاح للإرهابيين الذين يسمون معارضة مسلحة وفي مقدمتهم داعش والنصرة والذين يتسببون بأعمالهم الإجرامية في مزيد من المعاناة ليس للنازحين وإنما للشعب السوري بأكمله.

والمضحك المبكي، أنّ منظمات الأمم المتحدة و وكالاتها و مسؤولوها لم تتوقف، ولا وسائل إعلام الغرب وتوابعها باللغات الأخرى، عن حملات البكاء على اللاجئين والنازحين السوريين، ولم تزل في متاهتها تسعى إلى التغني بعجزها عن أداء ”رسالتها الانسانية” كما تزعم، وما تهتم به أكثر وتروجه نسب الأطفال والنساء من اللاجئين والنازحين، ولكن لا يهمها كيف يعيشون وكيف يواجهون حياتهم كل يوم؟! كارثة إنسانية، مأساة، وحتى إبادة جماعية، وجرائم حرب، أوصاف ترددها آلات الإعلام وصقور الحكومات الغربية ولكن ما نفعها أمام صخرة الواقع الصلبة، الظروف القاسية؟!

إن من يذرفون دموع التماسيح على الشعب السوري أن يتوقفوا عن ذرفها فأصبحت مكشوفة ولا تنطلي على ذي بصيرة، وإن كانوا صادقين في ذرفها أن يبرهنوا على ذلك بغلق الحدود والتوقف عن مد العصابات المسلحة والظلامية بالمال والسلاح والتي تمارس عملية التطهير والتهجير، والتوقف عن تدريبها وتشجيعها، بما يتيح عودة آمنة للاجئين إلى ديارهم ومنازلهم، فوطنهم أولى باحتضانهم، ولا يستر المرء غير وطنه، ولا يعتز المرء إلا بوطنه مهما قست الظروف.

وإذ يواصل الجيش العربي السوري انتصاراته ويؤمن القرى والمدن من الإرهاب ويطهرها من دنس الإرهابيين، فقد حان الوقت لكل سوري غيور على وطنه أن يرجع إلى وطنه إذا كان في الخارج ويلتف حول جيشه الباسل، وإذا كان في الداخل ولا تزال غشاوة الكذب والخداع على عينيه أن يزيلها ويضع يده بيد الجيش وقيادته، فهذا هو الطريق الحقيقي لتنظيف سوريا من رجس الإرهاب وإعادة الاستقرار إليها في هذه المرحلة لتتلوها المراحل الواجبة والمستحقة.

الدولية.نت

> (273)

email

مقالات ذات صلة