قراءة في البعد العسكري لخطاب السيد حسن نصرالله

السيد حسن نصرالله

عمر معربوني |

بدايةً لا يمكن لأحد أن يكتب عن حدث تاريخي كخطاب السيد حسن نصرالله الأخير بشكلٍ موضوعي، سواء كان محبًّا أو كارهاً، إلّا بتحرره كاملاً من الدوافع والمشاعر، فهذا الخطاب يختلف عمّا قبله من خطابات حيث يُعتبر وثيقة تؤسس لطبيعة المرحلة القادمة بسبب الإنقلاب الكبير الذي أعلنه السيد والمرتبط بقواعد الإشتباك القائمة وطبيعة الصراع بأكمله، فما بعد هذا الخطاب غير ما قبله، والمنطقة كلها جبهة واحدة، وهذا ما اشرت اليه اثناء العدوان على غزّة بضرورة وحدة الإرادات والجبهات كمقدمة لرفع منسوب الردع بمواجهة العدو الصهيوني، ويؤسس لمشرق جديد.

رفع التحدي الى أعلى مستوى كان السمة الأساسية لمضمون الخطاب وهذا يعكس مدى الجهوزية والإستعداد لاندراج الأمر ضمن سياق المسؤوليات والتبعات.

وفي نظرة للبعد الأخلاقي والإنساني المفعم بالمشاعر والأخلاق العالية الذي تضمنه خطاب السيد حسن نصرالله، وهو الذي تحشرج صوته عندما اعترف أنه بكى على استشهاد ولده، متوجهاً بعدها الى منفذي عملية شبعا بدفق من أحاسيس تُبرز ملامح قائد استثنائي مشبع بالحب ومتمرس بفنون القيادة.

المسألة الأساسية في خطاب السيد كانت بصيغة الرسالة الواضحة لكل من نسي فلسطين بأننا لم ولن ننسى فلسطين، مع توصيف دقيق لطبيعة ووضوح الحلفاء والأصدقاء بمقابل توصيف دقيق للأعداء بشكل لا يقبل اللبس.

مقدمة الخطاب حملت توضيحاً هامّاً جداً وهو وصف السلوك الصهيوني بقمة العنجهية والإستكبار والإستعلاء، وهو وصف مرتبط بالبعد العقائدي الإيماني لحزب الله وايران ويكتسب قوته كونه ينطلق من النص القرآني وهو ما تعوّل عليه المقاومة في تربيتها الجهادية كعامل اساسي من عوامل الصمود وحتمية الانتصار.

في التوصيف المباشر لعملية شبعا كان واضحاً حضور الوقائع وليس العواطف في توصيف العملية ونتائجها بواقعية شديدة ضمن منهجية تراتبية، وهي بحسب ما بينها السيد:

1- توقيت العملية:

– نفذت العملية في توقيت دقيق متناسب مع الغارة الصهيونية وهو الساعة 11.30 صباحاً.

– في وضح النهار وبصواريخ مضادة للدروع وعلى موكب مؤلف من قادة وضباط صهاينة.

– استخدام صواريخ مضادة للدروع على غرار الصواريخ الصهيونية بفارق مهم وهو أنّ الصهاينة اعتمدوا الغدر، بينما نفذ مجاهدو المقاومة العملية في بقعة الروع (منطقة الإشتباك المفترضة بين خطي تماس) وجهًا لوجه وبصواريخ محمولة على الأكتاف.

2- تنفيذ العملية في منطقة واقعة تحت سيطرة الجيش الصهيوني بالنظر والسيطرة النارية والإلكترونية وفي ذروة الإستنفار والإستعداد، والإنسحاب ضمن مدة زمنية قياسية وهي رسالة سيفهمها الصهاينة جيداً وستحمل لهم الخوف نظراً لتشابه المنطقة مع منطقة الجليل، وحتى اللحظة يعيش العدو حالة صدمة وعجز بسبب عدم اكتشافه المبكر للعملية، وهذا يعني أنّ قيادة جيش الكيان تعيش مرحلة العمى الإستخباراتي سواء الإستعلامي أو الميداني.

3- الإرتباك الصهيوني الواضح وتنصّله من تبني الغارة في القنيطرة فترة طويلة بهدف تجنب الرد وخلق حالة مراوحة وتعويد للمقاومة على تلقي ضربات مشابهة ومحاولة فرض قواعد اشتباك جديدة، وهذا ما أسقطته المقاومة مباشرةً حيث أعلنت عن الغارة وحمّلت الصهاينة المسؤولية.

قبل التعرض للمعادلات الجديدة التي رسمها السيد نصرالله لا بدّ من الالتفات الى المسائل التالية:

– الرسالة الواضحة الى الشريك اللبناني في الوطن بوضوح شديد وهي اننا لا نرغب الحرب ولا نريدها ولكننا لا نخشاها، وبأن ردنا في شبعا جاء ضمن سياق حكمة المقاومة وليس تسرعها مع الأخذ بعين الاعتبار كل الإحتمالات بما فيها أسوئها.

– الرسالة الواضحة للصهاينة أنّ المقاومة لا تخشى التهديدات الصهيونية، “ومن بعد ما جرى في القنيطرة ها انتم جربتمونا فلا تجربونا مجدداً”، وأنّ المقاومة الحكيمة والقادرة غير مردوعة كما تتصورون.

– الفصل التام بين الملف النووي الايراني وما تتخذه المقاومة من قرارات وهو أمر يجب أن يقلع عنه كل من يعادي المقاومة لأي سبب من الأسباب.

العنوانان الأساسيان في المعادلات الجديدة التي رسمها السيد حسن نصرالله هما:

1- فك قواعد الإشتباك وهو يعني أنّ الإلتزامات السابقة سواء التي توافق عليها المقاومة او التي لا توافق عليها باتت من الماضي، وبأننا سنكون امام مرحلة جديدة مفتوحة وخالية من القواعد السابقة بما فيها تلك المناطق التي يشملها القرار 1701 والإغتيالات التي تقوم بها “إسرائيل” بحق كوادر ومجاهدين من المقاومة، وهو أمر لم يعد الرد بصدده محصوراً بزمان ومكان لا في الجغرافيا ولا بطبيعة الأهداف وهذا ما سيلقي على الصهاينة أعباء استخباراتية جديدة ليس في ساحات الإشتباك المباشرة إنما في كل العالم وحيث للصهاينة أي تواجد، كما أنّ فك قواعد الإشتباك تعني في مكان ما الرد الفوري دون الحاجة الى تقييمات طويلة وهو أمر أشار اليه السيد عندما قال أنّ اجتماع قيادة المقاومة لم يستمر أكثر من عشر دقائق وأنّ الخطط والتنفيذ متروكة للقيادتين العسكرية والميدانية، وهنا لا بدّ من الإشارة الى فك وتغيير قواعد الإشتباك يعني أشكالًا جديدة من الجهوزية لوحدات المقاومة ستبقي الصهاينة في حالة ترقب دائمة بمستوى عالٍ جدًا من الإرتباك والتوتر، وهذا ما سينعكس على شعب الكيان الصهيوني أيضاً وعلى حركة الإنتاج والسياحة وغيرها من القطاعات.

2- عدم الإعتراف بتفكيك الساحات والميادين وهو الأمر الأكثر أهمية، ما يعني وحدة الإرادات والجبهات وأنّ محور المقاومة سيقاتل في أي حرب شاملة موحداً على كل جبهات التماس مع الكيان الصهيوني بقيادة موحدة وضمن خطة واحدة تراعي بالتأكيد المعايير الخاصة لكل جبهة بما يؤدي الى أفضل النتائج، وتوحيد الجبهات يعني أنّ الصهاينة في أي حرب قادمة لن يكون بوسعهم التحكم بتحشيد قواتهم ووحداتهم ما سيلزمهم بتوزيع الإمكانيات والجهد بما فيها أسلحة الطيران والمدرعات، وهما السلاحان اللذان فقدا قدرتهما في المعارك التي خاضها الجيش الصهيوني في لبنان وغزة بمقابل تنامي القدرات لدى فصائل المقاومة، إضافةً الى تنامي التجربة وبالطبع ارادة القتال المرتبطة بالحالة المعنوية.

3- إمكانية المشاركة الفعلية في الحرب القادمة لوحدات من فيلق القدس بقوات كبيرة واسلحة نوعية كالصواريخ والقوات الخاصة وخصوصاً على الجبهتين اللبنانية والسورية ولن يبقى الأمر مقتصرًا على استشاريين كما هو حالياً.

ختاماً: لن يكون بوسع الصهاينة بعد اليوم أن يُقدموا على أية أعمال غير محسوبة خصوصاً أنّ تناقضاً تعيشه الأطراف السياسية في الكيان الصهيوني وأعلى مستوى من التوتر والخوف يعيشه شعب الكيان.

ولكن هذا الأمر قد يدفع قيادة الكيان الصهيوني الى عمل متسرع بهدف تحقيق مكاسب سياسية داخلية، ومحاولة رفع الروح المتدنية للصهاينة والتي تعيش حالة انهيار متتالي، وهذا يعني اننا سنكون امام حرب شاملة ستأخذ المنطقة برمتها الى الهاوية وستكون حرباً مكلفة جداً لن يكون بوسع الصهاينة تحملها وتحمل تبعاتها، وستكون بما لا شك فيه الحرب التي ستقوّض أسس استمرار الكيان الصهيوني.

> (414)

email

مقالات ذات صلة