العربي… وتمخّض الربيع القطري عن تلفزيون إخونجي

التلفزيون العربي

زينب حاوي | في ذكرى «ثورة يناير»، انطلقت «العربي» الممولة قطرياً، مع مروحة من البرامج التي تتوجّه إلى الجيل الشاب. نظرة متفحصة إلى محتوى ما يقدَّم، يظهر بشكل جليّ الأجندة السياسية الكامنة وراءها

هو «تناتش» بكل ما للكلمة من معنى في الفضاء العربي. يراد من خلاله الاستحواذ على ما أفرزه الحراك الشعبي العربي في مختلف الميادين المصرية، والتونسية، والليبية، واليمنية، لكن مع أجندات لوسائل إعلام تكاد تلامس حدّ التناقض. إنّها الأمكنة نفسها والثوار أنفسهم تتقاذفهم القنوات الوليدة وتمضغ العبارة نفسها بأنها ستكون بمثابة منصة للتعبير عن آراء هؤلاء في ما اصطلح على تسميته «إعلام الشعوب».

في ذكرى الثورة المصرية في 25 كانون الثاني (يناير)، انضم إلى الفضاء العربي قناة «العربي» التي تندرج ضمن «شبكة التلفزيون العربي» في بث تجريبي من لندن تحت شعار «من الألف إلى الياء»، وانطلق معها الموقع الإلكتروني الخاص بها.عند الساعة التاسعة بتوقيت بيروت، خرج «مانيفستو» القناة ليس من مديرها أحمد زين (المدير السابق لـ«الجزيرة مباشر مصر»)، ولا من رئيسها التنفيذي المصري إسلام لطفي، بل من برنامجها اليومي الحواري «العربي اليوم» مع فدى باسيل (الوافدة من قناة «bbc عربي») وخالد الغرابلي (الآتي من «مونت كارلو» الدولية). المانيفستو مقدّمة من دقيقة ونصف دقيقة، سطرت الخطوط العامة للقناة أولها ردّ الاعتبار إلى «زوايا إنسانية» غابت عن الخريطة العربية. وبحماسة خطابية لافتة، تطايرت عبارات «كسر التابوهات»، مروراً بـ»إعادة تعريف السياسة»، وصولاً الى الخاتمة الأهم «اكتشاف الحكاية العربية». هكذا أرست القناة ذات التمويل القطري دعائمها، مستهدفة فئة الشباب.

أطرف ما تبثه القناة الوليدة، هو إعلانها الترويجي الرسمي

هذا ما تظهره برمجتها الحالية التي تخلط بين السياسة والترفيه: «بورصة رأي» البرنامج الشبابي اليومي التفاعلي، و«1000 ميل» الذي يعرض لتجارب شبابية مبتكرة، و«نغم طازة» الذي يضيء على موسيقى الشباب، على أن يعرض «من دفاتر الثوار» في القريب المنظور. إنّها عينة من البرمجة التي تتوجه إلى الجيل الشاب، خصوصاً ذلك الذي خاض الحراك الأهلي وخبره.

صحيح أنّ برنامجاً مصرياً يتيماً تعرضه «العربي» هو «بتوقيت مصر» (يقدمه إبراهيم خليل من الأحد إلى الخميس ـ 21:00 بتوقيت غرينيتش)، إلا أنّه يبدو أنّ عين المحطة على «أم الدنيا» من خلال ما ذكرناه سابقاً من برامج شبابية تقدّمها وحتى ضمن الفواصل الترويجية. هذا الأمر بالطبع لا يأتي من عبث، بل تحقيقاً لأجندات واضحة ومعروفة. لنستعرض باكورة محتوى «العربي اليوم» الذي امتد من يوم الأحد الماضي على مدى ساعة ونصف ساعة، ونكتشف الوجهة التي يريدها القائمون على القناة. البرنامج أضاء على واقع بلدان تونس، والعراق، وتركيا، ولبنان، واليمن، وفلسطين.

تقارير أجراها سبعة مراسلين/ات من هناك، انتهجت البساطة والعفوية مع التركيز على نبض الشارع فيها. على سبيل المثال، انحصر الحديث بحجب «حركة النهضة» الإخوانية الثقة عن الحكومة التونسية الجديدة. وفي العراق، كان استخدام لمصطلح «تنظيم الدولة» التفخيمي في الدلالة على «داعش». وفي تركيا، إضاءة على أوضاع اللاجئين السوريين، مع الظروف المعيشية الصعبة التي يكابدونها داخل المخيمات وخارجها. وهناك وقفة بالطبع مع «محاسن الحكومة التركية» والتسهيلات التي تقدمها في إدخال اللاجئين إلى أراضيها و»تأمين الطعام والمأوى».

وفي الملف اللبناني، أطلت علينا الوافدة من «فرانس 24» جويس خوري لتحدثنا عن الشباب اللبناني الذي «لا يستطيع إيصال صوته» وهو غارق في الطائفية، وعن انعدام فرص العمل لهؤلاء بسبب الأمن الهشّ ودخول «التطرف من الحدود اللبنانية السورية». وكان لافتاً تقريرها عن «الصراع الطائفي في بيروت» الذي ازداد «بفعل الأزمة السورية»، كذلك إطلاقها على حادثة 7 أيار (2008) وصف «اجتياح حزب الله للأحياء السنية». مصر لم تحضر في البرنامج. لكن برنامج «بتوقيت مصر» في حلقته الأولى تولّى الإضاءة على ذكرى «ثورة يناير». وقد سجل هنا إصرار المذيع إبراهيم خليل على التركيز على «حراك الإخوان المسلمين» في الاشتباك مع الأمن المصري، رغم نفي المراسل لوجودهم ضمن عديد المتظاهرين. اللافت في هذه المشهدية غياب الخوض في الأزمة السورية وعمقها. إذاً، شعارات كثيرة ومحاولة لتبني خطاب أصبح مكشوفاً في منح الشباب العربي منصة للتعبير، فيما رأينا أنّ كل ذلك يصبّ في ساقية قطر السياسية الداعمة للإخوان من تونس ومصر إلى تركيا.

أما أطرف ما تبثه القناة الوليدة، فهو إعلانها الترويجي الرسمي الذي يظهر فيه شباب من جنسيات عربية مختلفة تدك صخرة ترمز إلى النظم والقيم البائدة. وفجأة، يطل شابّ خليجي (يظهر ذلك من خلال لباسه) وهو على صهوة جواده، ويحاول بحوافر الحصان كسر هذه الصخرة في إيحاء إلى مساواة بين ثوار الميادين والشباب الذي ما زال يعيش في كنف أنظمة بائدة.

تصدح بين الحين والآخر، أصوات الشعراء محمود درويش، أحمد فؤاد نجم، أحمد مطر، ونوستالجيا فلسطين والثورة ونبض الفقراء في الفواصل الإعلانية، والى جانبها تصريح صحافي للرئيس التنفيذي للقناة إسلام لطفي حول «مصالح الناس مقابل إعلام الأنظمة وإعلام المال ورجال الأعمال». تناقض واضح بين الكلام والواقع.

امتطاء قضية فلسطين والإيحاء بأن «تغييراً» قد حدث في الأنظمة الخليجية، وأن «العربي» ستكون صوت الشباب العربي… كل ذلك لا يعدو كونه شعارات لاقت شماعتها المناسبة، هادفةً إلى التضليل.

> (256)

email

مقالات ذات صلة