الجماعات الإرهابية تدمر الإسلام… فأين المسلمون؟

مصطفى قطبي

مصطفى قطبي | مشاهد السيارات المفخخة والإسعاف والجثث والجرحى مرعبة وغير مسبوقة، إنها لغة التحاور بالدم العشوائي، حيث تقوم المجموعات الإرهابية من تنظيم القاعدة وفروعه ومن عصابات التكفير بزرع المتفجرات والعبوات الناسفة وبعمليات القتل والتهجير مشيعة الخوف والحذر في الليل والنهار، الخوف من القتل العشوائي الذي هو أقسى من الموت.

المخطط واضح غير خفي لكل ذي لب وبصيرة، وهو تبني تلك الجماعات الإرهابية وإلباسها لباس الإسلام وانتسابها إليه من أجل غرس الصورة المقززة للأفعال الإجرامية، التي تقوم بها تلك الجماعات من جز الرؤوس وتمثيل بالجثث وانتهاك للأعراض، ونهب للأموال في نفوس وعقول البشرية جمعاء، في مشارق الأرض ومغاربها، عبر بث حي أو بتسريب المشاهد وتوزيعها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تتداول تلك الصور والمشاهد بين الفئات المختلفة، معززة بالأبطال المجرمين وهم يرتدون الزي الإسلامي متوشحين بالسواد، تعلوهم العمائم وتزدان بهم اللحى، مطقطقة ألسنتها الملوثة بالآيات الشريفة الطاهرة، إمعاناً في بلورة الصورة وإلصاقها بالشخصية الإسلامية لتنغرس تلك المفاهيم في نفوس وعقول الناشئة، وبالتالي غرس الكراهية في اتباع هذا الدين الحنيف وتشويه الرسالة المضيئة التي جاء بها الإسلام، ليراها العالم أجمع عكس ذلك تماماً، وإخفاء الرسالة الإنسانية التي يحملها هذا الدين الحنيف (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) دون إدراك للصورة المفبركة التي تمثلها تلك الشخصيات التي هي أشبه ما تكون بدمى تحركها أياد صهيونية هدفها واضح جلي وهو محو الصورة الحقيقية للإسلام… واستخدامها لتنفيذ مخططاتهم المفضوحة…

والسؤال: إلى ماذا يفضي هذا القتل المتنقل من بقعة إلى أخرى ومن شارع إلى آخر في سورية ولبنان ومصر وليبيا واليمن والعراق؟ مثل هذا السؤال أصبح يغلّ في حياة الناس ويدفعهم لإثارة الكثير من علامات الاستفهام المصفوفة إلى ما لانهاية.

يتطلعون إلى الدين؟ لا علاقة للدين قطعاً بما نشهد من أحداث دامية، فقط كان الدين ولا يزال عنصراً أساسياً وفعالاً في الدور المتقدم والحضاري للثقافة، بعد ما تراجعت الفلسفة، فالدين غير المتديّن، ومنذ ثورة نابليون إلى ”الثورات الحديثة” الملونة وغير الملونة في العالم، بدا بوضوح أن الدول والشعوب في كل مكان تقريباً، تبتعد عن جوهر الديانات السماوية كلها.

وللمرء أن يغتنم هذه الفرصة المهمة في سياق مناقشة ما تحاول الجماعات الإرهابية إشاعته عن الإسلام من صورة دموية بغيضة، بخاصة في عالمنا العربي، أن يسائل أنظمتنا التربوية وطرقنا المعتمدة في التنشئة: لأن هذه الصور والوثائقيات الدموية إنما هي إدانة لهذه الأنظمة وتأشير فظيع على إخفاقها، لأنها لم تنتج الإنسان الودود الذي يحب أخاه الإنسان، وإنما أنتجت ذلك الإنسان، الشاب الغض الملثم الذي يحرق أخاه في الدين والدم والتاريخ بدم بارد أمام الكاميرات، وهو ”يصرخ” الله أكبر، بهستيرية منقطعة السادية!

للمرء أن يوجه سؤاله إلى جامعة الدول العربية والمنظمات القومية والإقليمية المتخصصة بالتربية والتنشئة والتعليم: كيف خرجت مدارسنا ومعاهدنا هذا النوع من ”القتلة” وآكلي الأكباد وقاطعي الرؤوس؟

وحيال هذه الصور التي يشيعها الإرهاب عن الإسلام، أداة للترويع والترهيب، ويشيعها كارهو الإسلام عبر العالم لتشويهه، هل لك أن تقنع إنساناً غير مسلم، عبر العالم، بأننا نجحنا في برامجنا التربوية ومناهجنا الدراسية، وما هي درجة النجاح: امتياز، أم مقبول، أم متوسط، أم مجرد ناجح؟ أم راسب؟

فالجماعات الإرهابية (داعش والنصرة وأخواتهما) تحقق أهدافاً تفوق توقعات من تعامل معها، ومن استخدمها واستغلها لتحقيق غايات تخدم مصالحه، بل وربما يحقق تنظيم داعش، أكثر مما حقق عنف الجماعات المسلحة في الربع الأخير من القرن الماضي في مصر والجزائر، وما تلاه مما وصف بأنه ”إرهاب إسلامي” عقب الهجوم على نيويورك وواشنطن في 11 سبتمبر 2001.

وبالتأكيد يتجاوز ما يحققه داعش إنجاز الجماعة الأم، التي تفرخت منها كل الجماعات المشابهة، وهي الإخوان المسلمين عبر ثلاثة أرباع القرن من نشاطها في مصر والمنطقة، ذلك أنّ تنظيم داعش الإرهابي توفرت له ظروف لم تتوفر لسابقيه، سواء قطرياً في سوريا والعراق أو اقليمياً في منطقة شهدت هزات وتحولات أو عالمياً في عالم لم يستقر بعد على أحادية القطبية الأميركية.

خلال أربع سنوات خلت، بلغت مسألة البحث في الهويات الوطنية وتحديدها ببعديها الثقافي والديني في بلدان ما يسمى ”الربيع العربي” مرحلة خطيرة، وكأن العرب محكومون بالتفكيك، لكنها مسألة تظهر في الوقت نفسه متشابهة و”متلاحمة” وفقاً لإيقاعات دموية متعددة ومتناقضة تحمل معها المفارقات وتتطلب الانتظار لبعض الوقت غير المحدد، انتظار ماذا؟

1ـ انتظار جلاء صور الجماعات الناشطة دينياً لأهداف سياسية خاصة.

2ـ انتظار مواقف الدول الكبرى والإقليمية من هذه الجماعات الإرهابية…

وهنا لابد من ملاحظة أن الأمور اختلطت فقد بات من الصعب التمييز بين الخصوم والأعداء والأصدقاء، ولكنها صعوبة وليست استحالة، لأن الأمور وتطورات الأحداث بينت، ولاسيما في الثلاث سنوات الأخيرة، أهداف الجماعات التي تسخّر الدين الإسلامي لمصلحتها الخاصة، أو بالأحرى تقحم الدين بالسياسة لتصل إلى السلطة، ولأن خط النفوذ في رسم السياسة الدولية الذي استقر مرحلياً عند المفهوم الأحادي للعظمة الدولية سرعان ما التوى أمام القوى العالمية والإقليمية والبلدان الكثيرة المستيقظة في العالم على الدم، وعلى رفض الأحادية في قيادة هذا العالم! وما يجري في تونس ومصر واليمن والعراق وسورية ولبنان ”متشابه” عنف مسلح وميليشيات مسلحة مدعومة من الخارج بالمال والسلاح… أعمال قتل وتدمير واغتيال، تمرد على الدولة، نشاط القاعدة وفروعها، محاولات فرز المواطنين وتكفير بعضهم تمهيداً لتهجيرهم…

هذا، ولم يتم ذكر ”السودان والصومال وليبيا” بين هذه البلدان التي يسودها العنف، لأن الأمور فيها تبدو أكثر تعقيداً وتشابكاً مما يتصوره المتابع للأحداث.

هو الأميركي والإسرائيلي والغرب الاستعماري، وغير أولئك من قوى عالمية تصطرع على النفوذ والهيمنة والمصالح العالمية في أرضنا العربية، وتكتب استراتيجياتها وانتصاراتها وهزائمها بدمنا، وتأخذ منا تكاليف قتلنا ودفننا…، وتتنافس على دور أكبر يمكنها من محو عروبتنا وإسلامنا، وحشرنا في مصائد الموت بما لا يقبل خروجًا منها…

للأسف الشديد، لقد أصبح الدين الذي يُفترَض أنه المانع من الإثم والعدوان والظلم والضلال، وأنه الجامع الأقوى من كل جامع وصلة وقربى بين أتباعه، والحامل لآيات التسامح وأبعاد الحرية والعدل والمساواة، ولكل معطى من معطيات الحكمة والقيمة الخُلقية والروحية والإنسانية… أصبح مستند الجهَّال والفتاك والمرتزقة إلى الفتنة والضلال والاقتتال، فقد قدَّمه بعضهم وفسره ومارسه مفرقاً للصف والكلمة، مضعِفاً للأمة ومشوهاً للعقيدة، بل وموجباً لذبح المختلِف وممارسة الفحش وهتك الأعراض وإحراق الزرع وتجفيف الضرع… وموجباً لتفرق أتباعه على المذاهب ”أتباعاً لأشخاص وليس للكتاب وسنة الرسول عليه الصلاة والسلام” ومسبباً لتطرفهم في التعصب لما يفهمون منه استناداً إليها وهي في أحسن الحالات اجتهاد على نص أو اقتداء بسلوك، يثاب صاحبهما إن أخطأ ولا يوجب اجتهاده الاتباع والتطرف إلى الحد الذي يراق معه الدم وترتكب الكبائر…؟!

وكثير من ذلك يجري من دون التفكير بضرورة العودة الواعية إلى المرجعيتين الأم: كتاب الله وسنة رسول الله، ومن دون إيمان عميق ودراية فقهية حاكمة للسلوك والفعل والفكر، بأن الإسلام رسالة سماوية ـ إنسانية شاملة تعلي مكانة القيم ومكارم الأخلاق والروح التي حرم الله والإنسان المستهدف بالرسالات الإلهية، وأن الإسلام للناس كافة، ورحمة من رب العالمين. لم تكن المذاهب في عهد الرسول ولا في عهد الخلفاء الراشدين، وكانت سنة رسول الله هي المتبعة من دون خلاف أو نقض أو اجتهاد هدام، ولم تكن التفرقة تحظى بتأييد ولا بدعاة، وقد دفنها الرسول ”صلى الله عليه وسلم” في رفضه الصلاة في مسجد بالمدينة المنورة رأى أنه بني للتفريق بين المسلمين أو أنه سيؤسس لذلك… وكان الناس يعودون فيما يختلفون فيه إلى ذوي العلم والفقه والفهم من المؤمنين… أما الذين يريدون اليوم أن يوردونا مورد المهالك بحجة المذاهب فهم يخرجون بالإسلام الصحيح عن مساره ليزجوا به وبنا في الجحيم وبؤس العصر، وليقتادوا الناس إلى حيث لا دين ولا قيم ولا رحمة ولا تسامح ولا حياة ولا كرامة.

للأسف المأسوف عليه، أنّ المشكلة الأساسية في المنطقة الآن أن هناك حرباً حقيقية على مستوى الإقليم كله بين الإسلام السياسي والقوى الأخرى، تقليدية وحديثة، أما الدواعش ومشتقاتها، فهي إحدى أدوات إنفاذ سيناريو سخيف: أمامكم خياران، إما جماعات إرهابية تشوه الإسلام والمسلمين، وإما إسلام ”معتدل” يمثله الإخوان، يحكمون في دول المنطقة، مثل هذا الطرح، الذي تشجع عليه الولايات المتحدة وبريطانيا وغيرها من القوى الغربية والدولية يصادف مصلحة لدى قوة إقليمية مثل تركيا، ترى في نموذج حكمها مثالا لما يسمى ”الإسلام السياسي” يمكن تعميمه في المنطقة من المغرب إلى البحرين. ومع إعلان إسرائيل ”دولة يهودية” فمن المنطقي ـ غربيا ـ أن يكون الشرق الأوسط بؤرة ”حكم ديني”، إذا صح التعبير، ولا غرابة إن أصبح ذلك مقدمة لظهور ”كانتونات” مسيحية أيضاً في بعض الدول التي بها مسيحيون بنسبة معقولة.

لكن هل يحرص الغرب على حكم الإخوان لهذا السبب فحسب: دينية الحكم؟ بالطبع لا، فهناك ما هو أهم ولم يحققه ما وصف على أنه ”الربيع العربي” من عمليات تغيير في بعض دول المنطقة، فهناك مراجعة أميركية ـ وغربية عموماً ـ لعلاقتهم مع أنظمة الحكم التقليدية في المنطقة، ويرى تيار معقول أن تلك الأنظمة ”الصديقة” استنفدت أغراضها، ولم تحدث عملية التغيير الاحتجاجي نقلة تأتي بأشكال حكم جديدة يمكن ”التعاون” معها، وبما أن الإخوان ”يتسولون” العلاقة مع أميركا والغرب منذ عقود، فلن يجد هؤلاء أفضل منهم لإنفاذ مصالحهم.

وفي ظل ما هو واضح من ”فك ارتباط” أميركي مع العالم، يمثل الإخوان أفضل وسيلة للوكالة المحلية، ففي النهاية، يستطيع الإسلام السياسي أن يجعل شعبه ”يبلع” أي شيء استناداً إلى غطاء ديني، أما التبرير الذي يساق هنا فهو في غاية الغرابة والسذاجة المصطنعة التي تميز رجال أجهزة المخابرات: إن الإسلاميين لم يجربوا في الحكم بعد، فلنجربهم!

ومنذ فقد الإخوان حكم مصر، وقد كان خطوة أساسية في عملية وصولهم إلى السلطة في بقية بلدان المنطقة، والمنطقة تغلي بصراعات تزداد حدة ولا يخلو أي منها من عنف مرتبط بالدين، ولا يقتصر الأمر على فقدان الإسلام السياسي حكم دولة كبيرة في الإقليم مثل مصر، بل يتعلق أساساً بالاستراتيجية الأوسع التي تلقت ضربة قاصمة وهي سيطرة الإخوان وأمثالهم على بقية الإقليم.

وربما تصورت القوى المناوئة للإخوان، وللحكم الديني عموماً، أن تلك الضربة ستضعف الإسلام السياسي وتعيده إلى حيث كان بحيث يمكن احتواؤه أو التعامل معه كما كان الأمر في السابق ضمن نظام ما، إلا أن هذا التصور يتسم بقصر نظر، فما حدث ـ وبغض النظر عن العوامل الخارجية، الإقليمية والدولية ـ كان تحولا جذرياً يصعب الرجوع عنه، بمعنى أن الإسلام السياسي وصل إلى مرحلة لا يمكن العودة عنها، وهي توليه السلطة ولم يعد أمامه خيار سوى أن يسيطر على السلطة أو ينتهي تماماً وإلى الأبد. فالجماعات التي استمرت لثمانية عقود تسعى من أجل ذلك الهدف ليست قادرة الآن على العودة إلى العمل من خلال أي نظام لتوسيع قاعدتها ومحاولة الوصول إلى الحكم عبر برلمانات أو غيره.

هذا التحول الجذري الذي مر به الإسلام السياسي هو من بين العوامل المغذية للعنف الدموي الذي يسود المنطقة، ولنأخذ سوريا على سبيل المثال، فقد كان الإخوان في بداية الصراع يهيمنون على ما تسمى قوى المعارضة وبعدما فقد إخوانهم في مصر كرسي الحكم تراجع دورهم، بل وتراجع دور المعارضة عموماً باستثناء الجماعات الإرهابية. والآن، وضمن السيناريو الغربي/الإقليمي الداعم لحكم الإسلام السياسي لن يستفيد من الحرب على تنظيم الدولة سوى الإخوان ولو بالتفريغ السلبي.

باختصار، العرب في مرحلة عجز كامل عن تحديد مسارهم الصحيح وموقعهم المطلوب، تتقاذهم الأجندة الأجنبية هنا وهناك، وتستخدم العديد من حكامهم كيفما تشاء، وتالياً تسود في وطننا العربي الكبير حالة عدم فهم المسافة بين الدين والتدين، أو بين الإسلام كدين سماوي متميز وحنيف وحضاري وبين الإخوان المسلمين الذين يعملون على استخدام الدين واستغلاله للوصول إلى السلطة بمساعدة الدوائر الأمريكية والغربية التي تحالفوا معها منذ نشأتهم وخدموا مخططاتها.

والخلاصة البسيطة التي يتعين على كل من يهمه أمر هذه الأمة ومستقبلها، هي ضرورة فضح ما يوصله هؤلاء ممن يلبسون مسوح الدين بأن تلك الصراعات السياسية الدنيئة لها علاقة بالدين، ويحتاج الأمر جرأة استثنائية الآن إن كان لنا أن نتخلص من إرث تخريب العقول الذي تراكم على مدى قرون طويلة، فلا شك أن إرجاع الأمر لأصوله من أنه سياسة ومصلحة وليس ديناً سينال من قدسية شخصيات تاريخية يقدسها كثير من عامة المسلمين، رغم أن إعمال العقل قليلا في تاريخها يكشف أنها لا تختلف كثيرا عن سياسيين أفاقين حالياً أو رجال أعمال انتهازيين.

ربما تحترق أطراف سليمة في مثل هذه العملية الجريئة، لكن ذلك لا يعدو كونه من ضرورات الجراحة الناجعة عندما يزيل الجراح بعض الخلايا السليمة المحيطة بالمرض، وبما أن المرض استفحل واستشرى فالمتوقع أن يزال قدر أكبر من الأنسجة المشتبه بها (وفيها علماء وشيوخ وفقهاء). وربما كان ذلك أفضل حتى لا يصل الناس إلى تطليق الدين كله نتيجة أفعال الانتهازيين من القادة والزعماء والولاة والتجار الذين يستخدمونه إطاراً نظرياً لصراعاتهم الدموية.

> (354)

email

مقالات ذات صلة