في توصيف الثورة المصرية

أحمد صبري السيد علي

أحمد صبري السيدعلي

مازال الخلاف مستمراً في توصيف الحراك الاجتماعي في مصر والذي أدى لاقصاء مبارك وانهاء رئاسته التي شهدت محاولات حثيثة لتقنين رأسمالية المحاسيب كذروة الرأسمالية الطفيلية التي أسس لها السادات في فترة رئاسته .

لا تكمن المشكلة الحقيقية في طبيعة الحدث المصري بقدر ما تكمن في محاولة النخبة التي قادت الثورة لإسقاط مصالحها على هذا التوصيف الذي ربما تؤدي مدلولاته إلى توجيه مسار الحراك المصري لاتجاهات لا تروق لهذه النخبة ولا تتناغم مع مصالحها .

لقد حرصت النخبة المصرية منذ بدايات الحراك الاجتماعي على تبني مصطلحات أناركية فوضوية تسعى إلى نفي وعرقلة أي محاولة لإيجاد قيادة موحدة لهذا الحراك ، كما شددت على التأكيد أن الايدولوجيات لا مكان لها في هذا الحدث الذي يتبناه كل المصريين بمختلف تنوعاتهم .

إن فقدان الحراك المصري للقيادة والهوية الأيدلوجية كان يعني عدم وضوح أهداف الثورة والمشروع المخصص لتحقيقها ، ومن هنا كان الإشكال الأساسي في توصيف الحراك ما بين الانفجار الثوري والثورة .

ثمة تعريفات بسيطة للثورة تقتصر في تصورها على حالة الانفجار الجماهيري بغض النظر عن النتائج والأهداف ، كما يتبنى كل من بردون وباكونين تعريفات تؤكد على رفض القيادة والدولة باعتبار أنهما أحد مظاهر القمع ، وهي ذات التعريفات التي تبنتها النخبة المصرية وحرصت على نشرها بين الجماهير إلى درجة أن يدعي أحد المثقفيين بأن الأيدولوجيات لو تدخلت في الثورة لما تمكنت من النجاح ، وبكل غرابة كان هذا المثقف يسارياً .

ومثل هذه التعريفات البرجوازية المثالية في طروحاتها لاقت انتشاراً كبيراً بين الشباب المصري عقب نجاحه في إسقاط مبارك ، بل انها انتشرت كذلك بين التيارات الماركسية بالرغم من احتقار كارل ماركس للآراء الأناركية وطبيعتها الفوضوية أكثر من أي منظومة فكرية أخرى كونها تمثل خطورة على مسار الثورة من وجهة نظره .

لقد امتدت هذه المشكلة في توصيف الحراك الجماهيري إلى الفعل الشعبي الثاني والذي تم في 30 يونيو 2013 ضد محاولات الفاشية الدينية السيطرة على الأوضاع بشكل كامل في مصر والذي يتميز بأنه نحى الكثير من الحركات النخبوية جانباً وهي التي رفضت الالتزام بإرادة الجماهير المصرية ، وأصبح هناك أزمة جديدة في التوصيف .

إن الفكرة التي انطلقت منها النخبة المصرية في محاولاتها القفز على ضرورة القيادة والأيدولوجية سوف تظل بكل تأكيد موضوع تساؤل وعلامات استفهام عدة حول ما إذا كانت واقعة تحت ضغط المصلحة الوطنية والتي من المفترض أن تعبر عن الجماهير الكادحة ، أم تحت ضغط المصالح الخاصة لهذه النخبة ، أم تحت وطأة عدم درايتها وضحالتها السياسية ؟ وهو التصور الأسوأ الذي يمكن أن يحيق بأي ثورة على الإطلاق .

إن كلمة لينين : ” لا حزب ثوري دون نظرية ثورية ” ربما يمكن أن تلقي قدراً من الضوء على هذه المشكلة ، فلم يتخيل لينين الثورة أصلاً بدون نظرية ثورية ، ناهيك أن تكون دون حزب يجسد النخبة الثورية القائدة للجماهير .

ومؤكد أن لينين سوف يشعر بالفزع في حال تم اقتراح خروج الجماهير دون قيادة ودون أيدلوجية وبكل ما شاهدناه من تدني في الوعي والرؤية أديا لضياع كافة الشعارات والطموحات الجماهيرية ، لدرجة إنقلاب كل التوهج والتفاؤل لدى المصريين في ثورة يناير إلى إحباط ويأس تحولا تدريجياً لعداء لكلمة ثورة .

وبعيداً عن المصالح الخاصة لكل المتاجرين بالجماهير المصرية التي قامت بطرد مبارك من سلطة تشبث بها لثلاثة عقود متصلة ، فالواقع أن ما حدث لا يمكن أن يطلق عليه سوى إنفجار ثوري لا أكثر .

المصدر : الدولية.نت (593)

email

مقالات ذات صلة