مناسبتان… ودولةٌ على ظهر حمار

مناسبتان... ودولةٌ على ظهر حمار – ناصيف ياسين

ناصيف ياسين |

كانت، أمس، الذكرى الثانية والثلاثون لعملية فاتح عهد الاستشهاديّين أحمد قصير، الذي اختطّ بدمه الطاهر مسارًا جديدًا، يومذاك، في تصعيد العمل المقاوم ضدّ العدوّ الصهيونيّ، الذي فوجئ بسيارةٍ محمّلةٍ بالمتفجّرات، تدخل مركز قيادته في مدينة صور المحتلّة، وتقضي على مئةٍ وواحدٍ وخمسين قتيلًا إسرائيليًا – حسب اعتراف العدو – بين قياداتٍ وعناصر، كما جعلت المبنى المؤلّف من ثماني طبقاتٍ قاعًا صفصفًا.

رُوٍّع العدوّ، وأيقن أنّ كفّة ميزانه قد خفّت، وأنه بدأ يلعق السّمّ الذي طبخه، فأعلن الحِداد العام، باعتبار ما أصابه كارثةً كبرى، بكلّ المقاييس: أمنيّة وسياسية وعسكرية،لم يعهدها منذ اعتداءاته المتكرّرة على أرض لبنان.

وما زاده إرباكًا، كتْمُ المقاومة لسِرّ العملية، ومُنفّذها، الذي لم يُعرف اسمه إِلَّا بعدما تحرّرت منطقة صور وجوارها، حيث كُشِف النّقابُ عنه، لأول مرّةٍ، على لسان الأمين العام السيد حسن نصر الله، في احتفالٍ بذكرى شهداء دير قانون النهر – بلدة البطل أحمد قصير – في التاسع عشر من أيار عام 1985 .

وتصاعدت العمليات، بين استشهاديٍّ وشهيد، إلى أن تحرّر الجنوب عام ألفين، ما عدا مزارع شبعا وتلال كفرشوبا التي تنتظر سواعد أبطالها، لا ألسنة المخرصين أبالسة العمالة.

كذلك، مرّت أمس، الذكرى العاشرة، لاستشهاد القائد ياسر عرفات، مسمومًا – على شبه تأكيد – بيد الصهاينة الذين أذاقوه مُرّ الحصار في رام الله، مُنتقمين منه، لعدم مجاراته لهم إلى نهاية المطاف الذي أرادوه لمصير الشعب الفلسطينيّ.

لكن، وللأسف، بدل أنْ يكون غيابه درسًا لكلّ القادة الفلسطينيّين، بكلّ أطيافهم وتوجّهاتهم، لِيأخذوا العِبرة المتمثّلة بأنّ هذا العدوّ سائرٌ على نفْس النّهج الذي اختطّه منذ قيام كيانه الغاصب، على إلغاء الوجود الفلسطينيّ من أساسه، ولا يرضى عنه بديلًا إِلَّا باجتثاث الفلسطينيّين، بالكامل، وعن كامل تراب وطنهم، نراهم، اليوم، يُسارعون، ويتسابقون لتقديم التنازلات التي يدفع ثمنها الشعب الفلسطينيّ بكلّ فئاته، وفي كلّ المناطق. فما دار ويدور في كفر كنّا، وكلّ ما يُسمّى أراضي الثمانية وأربعين، وفي القدس، وكامل الضفة الغربية، والحصار الذي اشتدّ حبْلُه على عنق قطاع غزّة، يُظهر – بكلّ ألمٍ وأسى وحسرة – أنّ هؤلاء القادة لا يستحقّون شعبًا بطلًا يدفع دمه ليل نهار، بأيْدٍ عزلاء لا تملك غير حجرٍ أو سكّينٍ، وربّما سيارة لمغامرة دهسٍ تودي بصاحبها شهيداً، أو معتقلاً على أقل تقدير، مقابل عدوٍّ مُدجّجٍ بآلة سلاحٍ جهنّميّةٍ، ونظامٍ دوليٍّ أصمّ وأعمى وأخرس، لا تنطلق حواسُّه إِلَّا لخدمة الكيان الصهيونيّ.

كم هي المفارقة بين المناسبتين: واحدة تكتبُ على بابها: لقد جاء زمن الانتصارات، وولّى زمنُ الهزائم، وأُخرى، تغرق في وحول التّخبُّط والهزائم، واحدةً تِلو الأُخرى…
الذّكرى للْعِبرةٍ، وليست لِلْعَبرة… فهلْ يسمع الباحثون عن دولةٍ “على ظهرِ حِمار”؟؟؟

شاهد (402)

email

مقالات ذات صلة