الوهّابية تحافظ على آثار اليهود… وتهدم آثار النبوّة والتوحيد

مصطفى قطبي

بقلم: مصطفى قطبي |

تمثل السعودية الوهابية، اليوم ـ ومثلت منذ نشأتها ـ معول التدمير والتخريب في الأمة، بل إنها تساوي التدمير والدمار، وتكاد تكون كما المعادلة الكيميائية ثابتة المدخلات والمخرجات، إذ لا يمكن لها أن تنتج إلا ما أنتجته من تشويه للإسلام وتدمير لقضايا العرب، وللعامة والخاصة أن يمعنوا البحث والنظر في مواقف ملوكها وأمرائها وممارساتهم، وفي الفتاوى التي تصدر عن شيوخها الذين ينزعون إلى تجاوز حدود الدين والشرع غلواً وتشدداً، إفراطاً وتفريطاً، ومجافاة للتنزيل.

فنظام آل سعود تمارس عصاباته الإرهابية في كل من سورية والعراق ولبنان واليمن ومناطق أخرى، كل أشكال التكفير وقتل الآخر المختلف، وتدنيس وهدم مقدساته وتهجيره من أرضه من أجل إقامة الإمارة الوهابية التكفيرية… وسمة هذه الحرب الوهابية الهّدامة، أن تقتلع جذور الشخصية الإسلامية من جذور ذاكرتها وثقافتها ورموز عقيدتها في الأزمنة والأمكنة والأشخاص.

ويكفي للتدليل على جهل الحركة الوهابية وعقم تفكيرها، وضحالة مضمونها الإصلاحي، إقدامها على هدم المشاهد والمعالم الدينية، وتدمير كل الشواهد والآثار والقباب والأضرحة في مكة والمدينة وباقي الأماكن والمدائن في جزيرة العرب وسواها، بدعوى أنها من وسائل الشرك والغلو في الأنبياء والأولياء الصالحين، حتى إن قبور الصحابة وآل البيت لم تسلم من معاول أولئك الهدامين الذين لا يقيمون وزناً للمعالم الدينية والحضارية والتاريخية.

وفي وقت سابق نشرت صحيفة ”الاندبندنت” اللندنية تقريراً كشف فيه الصحافي البريطاني ”أندرو جونسون” عن أن المملكة العربية السعودية تخطط لنقل قبر الرسول ودفن رفاته في مقابر البقيع في قبر غير معلوم. ونقلت الصحيفة عن الباحث السعودي عرفان علوي الذي تقول الصحيفة إنه مدير مؤسسة التراث الإسلامي للأبحاث في لندن انتقاده لعمليات التوسعة للحرمين في مكة والمدينة، والتي تم بسببها تدمير العديد من المعالم التاريخية.

أما الدكتور على أبو الحسن رئيس لجنة الفتوى بالأزهر الشريف سابقاً فقد أكد أنّ قبر الرسول ليس بداخل المسجد ولا يجوز بتاتاً نقل جثمان النبي (صلى الله عليه واله وسلم) لأن هناك قاعدة تقول”قبور الأنبياء لا تغير أبداً”.

ومن باب الأمانة لابد لنا أن نؤكد، انّ الآثار في بلاد الحجاز، لو أنها بقيت مصانة لشكلت مادة تراثية بالغة الغنى، و لكان بالإمكان استقراء الكثير، وها نحن نرى أثر المواقع الدينية، حيث وُجدت، سياحياً، وثقافياً، ونفسياً، واستلهاماً، غير أنّ الوهّابية التّكفيريّة قامتْ، أو الأصحّ أنها (أقيمتْ) لتلعب هذا الدّور التّدميري، ولتنحرف بالإسلام عن فطرته السّمحة هذا الانحراف المتطرّف الخطير، واعتمدتْ على عقل بدويّ، بدائيّ، متخلّف، فشحنتْه شحناً مخيفاً، حتى ظنّ من رفعوا لواءه أنهم يؤدون واجباً مقدَساً، سيوصلهم إلى جنان الرّحمن، ولذا وجدنا أنّ التّطرف الذي بلغ حدّ الوحشيّة، والتّدمير، وحرق الكتب والمكتبات، وأخلاق الغزو الجاهليّة…

نفذه أولئك (الأعراب)، ولا يمكن لمن عرف شيئاً من قيمة المدنيّة والحضارة أن يقوم بتلك الأفعال، والتي كرّستها الوهّابيّة، والتي هي طبخة إنجليزيّة، أرستْ دعائمها لتأخذ شكل ومنهج (الدّين)، ليس هذا فحسب، بل هي الدّين الحقّ، وما عداها هو الباطل! فصارت فيما بعد موئلاً لكلّ الحركات الدّينيّة المتطرّفة، وهذا يكشف المهمّة السياسيّة الموكلَة إليها باسم الدّين، فكلّ جماعة الإسلام السياسي، حين

تضيق بهم، يذهبون إلى الحكّام السّعوديّين، وبذلك تبدو تلك البلاد أنّها موئل الخائفين من جماعات (الأخوان)، كما أنّها تؤدّي الدّور التّاريخي الذي من أجله أقيم ذلك العرش.

وليس بخفي على قارئ التاريخ أن يعلم أن ما سمي الدولة السعودية (نسبة إلى رجل يقال له سعود) قامت على الغزو والقتل لأشراف الجزيرة العربية (هم من سلالة رسولنا الكريم) تحت عين الرضى البريطانية ودعمها، وأن المدعو ”بيرسي كوكس” المعتمد البريطاني للجزيرة العربية والخليج العربي والتابع لمكتب الهند الإمبراطوري آنذاك كان له الدور الهام في تأسيس هذه الدولة الوهابية لأهداف وسياسات تكمن في هدم الدين الإسلامي الحق وتفتيت المنطقة العربية وحماية المصالح والأطماع الغربية في منطقتنا. ومن ثم جاء دور الولايات المتحدة الأميركية لتحمل مهمة حماية ودعم هذه العائلة السعودية، فانتقلت المهمة الأساسية في العلاقات من لندن إلى واشنطن، التي تعهدت بحماية ودعم أسرة آل سعود مقابل أن تكون هذه الدولة السعودية هي اليد الطولى لأميركا في المنطقة العربية….

وككل حركة دينية مذهبية وشمولية تستقوي بالسلطان السياسي، وككل سلطان سياسي يبحث لنفسه عن خطابات أيديولوجية تتيح له فرص التمكين لسلطانه، وجد (ابن عبد الوهاب) غايته عبر سلطان (ابن سعود) ووجد الثاني غايته عبر الأول.

فباسم وحدة الدين لدى الأول، وباسم وحدة الدولة لدى الثاني، أطلق (ابن سعود) يد (ابن عبد الوهاب)، الذي قال ”بهدم القبور والآثار”، بوصفها بدعة وخروجاً على الإسلام، وهي الدعوة التي انتشرت في مرحلة بدأ فيها وكأن الناس خرجوا من صافي إيمانهم بالله إلى إيمان بالخوارق والنذور، واستبدال الحقائق بالظواهر، لكن سرعان ما انغلقت هذه الدعوة على نفسها، وتحولت من دعوة للإصلاح، في عيون مريديها، وفي ظرف تاريخي محدد، إلى سلاح ديني بيد أسرة (آل سعود) تشهر الدين في وجه معارضيها السياسيين، واستخداماً لتبرير استمرارها، وحكمها، وكأنها جزء لا يتجزأ من الإسلام!

والذين تابعوا مسيرة ”الوهابية”، وبخاصة في مرحلة الدولة الثالثة، التي بدأت بـ (عبد العزيز) يستطيعون أن يلمسوا دور الدين في تثبيت حكم الأسرة، أكثر من دور الدين في تثبيت الإيمان. إذ حققت قوات ”الإخوان الوهابيين” لـ ”عبد العزيز” السلطة، ووفرت له أسباب التوسع، وما أن أيقن أنها صارت قوة مستقلة، خطرة، وأثارت له المتاعب مع جواره، حتى ضربها، وأعانه الإنجليز على ذلك أي عون. ومع ذلك فقد ظلت عقيدة هؤلاء ”الإخوان” تقود السلطة، فعلياً، بعد أن رأت السلطة السعودية في تلك العقيدة عوناً لها وتثبيتاً لحكمها، وإشهاراً لقوتها وعصبية رجالها، في وجه خصومها، ولكنها ظلت ـ كذلك ـ تمسك بزمام هذه الجماعة، وتروضها، كلما خرجت أو استشرت، كي تُقصر مهمتها على دعم النظام، لا أكثر.

بيد أن اللافت، أن عقيدة ”الاخوان الوهابيين” شكلت النواة المركزية لتيار ”الإسلام السياسي”، منذ قرنين ونصف القرن، من قلب العالم الإسلامي، والتي وجدت بشائر صداها في (مصر) بتأسيس جماعة بنفس الإسم ”الإخوان”، في العام 1928، والتي نهلت من الأصل الوهابي وروافده الباكستانية مثل (أبو الأعلى المودودي)، وغيره، فقوبلت، وقوبل ما تفرع عنها من حركات أخرى، بالرعاية السعودية والدولية، إلى أن بلغ ”الخطاب الوهابي” حدود المؤسسة الأزهرية، وغيرها من مؤسسات العلم الإسلامي، في غير بلد، بعد أن شحب خطابها، ونالته علل الجمود والأحادية الفقهية، حتى صار ”الخطاب الوهابي” معزوفة أساسية في خطابات مختلف الفرق والمؤسسات السنية، وخصوصاً ضد كل ما يتصل بالفكر العصري ومنجزاته الحضارية، من علوم وفنون، إلى حد إزالة آثار الإسلام في أرضه الأولى، مُنهية بجهلها، وبقصد من هو خلفها، حقباً كثيرة من تطور الإسلام ورموزه الغنية.

وهو ما حمل معارضاً سعودياً، في تسعينيات القرن المنصرم على وصف ما جرى بأنه ”هدم للإسلام”، وإلى اتساع الحملة الإعلامية والسياسية، من جانب المعارضين السعوديين، خارج المملكة، لأجل حماية ما تبقى من الآثار الإسلامية في (الحجاز) من الهدم، ودخول صحف غربية، على خط الحملة، والتي تحدثت عن تدمير العمارة الإسلامية ليحل محلها ”حضارة الكونكريت”، في عشية إقدام ملك السعودية (فهد بن عبد العزيز) على هدم بيت النبي (ص) ومحو المحيط الداخلي ”للحرم المكي”، بما يتضمنه من نقوش وآثار، يمتد عمرها إلى مائة وألف عام، بإسم توسعة ”الحرم”!.

وكان (ابن سعود الكبير) قد سبق الملك فهد في النيل من أغلب هذه الآثار، بمساندة أتباعه من ”الإخوان الوهابيين”، إلا أن الدولة العثمانية أعادت تعمير وتشييد ما جرى هدمه في (مكة) و(المدينة)، ومنها ”الأضرحة” والمساجد، بعد تدمير دولة (ابن سعود) في العام 1818، على يد الحاكم العثماني لـ (مصر)، آنذاك (محمد علي).

وكما أدت توسعات الأب (عبد العزيز) لـ ”الحرم” في عشرينيات القرن الفائت إلى اختلاط النشاط التجاري بالنشاط الروحي حتى ضاق الحجاج ذرعاً به، أدت توسعات شبله الملك فهد، في تسعينيات نفس القرن، إلى تجريد ”الحرم” من تاريخه الحضاري المسلم، والتضييق على الحجيج، في ضوء الحوادث الدامية، المتتالية، طوال السنوات التي تلت هذا التوسع، وحتى اليوم!، بحيث صارت تلك التوسعات ـ بقديمها وجديدها ـ عملاً عشوائياً ومنهكاً لقاصدي فريضة الحج، ناهيك عن طمس الخصوصية التاريخية والثقافية لـ (مكة) و”بيتها المحرم”، على نحو ما فصلته باحثة سعودية معاصرة، خلال الاحتفال باختيار (مكة)، عاصمة ثقافية في العام 2005 .

لقد قام آل سعود بتدمير لمعظم تراث النبي والصحابة والمسلمين في الأماكن المقدسة… ولو خضنا في البحث عما دمروه من آثار إسلامية دينية تاريخية في الجزيرة العربية لعجزنا عن إحصائها، ولكن نقول على سبيل المثال، هدم آل سعود البيت الذي ولد فيه النبي العربي محمد بمكة، بيت السيدة خديجة زوجة النبي، بيت أبي بكر الصديق، البيت الذي ولدت فيه فاطمة بنت الرسول، بيت حمزة بن عبد المطلب، بيت الأرقم أول بيت كان يجتمع به الرسول مع أصحابه، وفي هذا البيت أعلن عمر بن الخطاب إيمانه برسالة محمد.

كما هدم آل سعود قبور شهداء مكة وبعثروا رفاتهم، وكذلك هدموا مكان العريش ”التاريخي” الذي نصب للنبي العربي، والبيت الذي ولد فيه علي بن أبي طالب والحسن والحسين، وبقيع الغرقد في المدينة المنورة حيث يرقد المهاجرون والأنصار من صحابة محمد وبعثروا رفاتهم، القبة التي تظلل وتضم جثمان صاحب الرسالة المحمدية محمد بن عبد الله ونبشوا ضريحه، لكنهم توقفوا حينما وقف الشعب وبعض العلماء الصالحين ومن البلاد الإسلامية كافة رافضين هذه الإجراءات وخرجوا في التظاهرات.

وسرق آل سعود الذهب الموجود في القبة، وحالما دخل جند الاحتلال السعودي مكة المكرمة، اتجهوا لتدمير كل ما هو ورق… وكل ما هو كتب، وكل ما هو وثائق وصور، وكل ما هو تاريخي… من ذلك على سبيل المثل ما ارتكبوه ”بالمكتبة العربية” التاريخية العلمية التي أحرقوها، وهي التي تعد من أثمن المكتبات في العالم قيمة تاريخية، إذ لا تقدر بثمن أبداً.

لقد كان بهذه المكتبة (60000) كتاب من الكتب النادرة الوجود، وفيها (40000) مخطوطة نادرة الوجود من مخطوطات ”جاهلية” خطت كمعاهدات بين طغاة قريش واليهود تكشف الغدر اليهودي وعدم ارتباط اليهود بالدين والوطن من قديم الزمان وتكشف مؤامرات اليهود على الرسول محمد، وفي هذه المكتبة وغيرها من مكتبات المدينة التي أحرقها ودمرها آل سعود بعض المخطوطات المحمدية التي كتبت بخط النبي محمد وبخط علي بن أبي طالب وأبي بكر وعمر وخالد بن الوليد

وطارق بن زياد وعدد من الصحابة. لقد أحرقوا كل الوثائق التي تهتم بالأشراف الذين هم من سلالة الرسول الكريم. لقد أراد آل سعود بذلك ألا يبقى أي أثر يذكر تاريخنا، وألا يبقى للعرب من تاريخهم إلا الإسم السعودي المزيف المهين.

وحين دعا عبد العزيز آل سعود لمؤتمر إسلامي، عُقد في الحجاز، لأهداف تدعيميّة، وقف في ذلك المؤتمر الشيخ الظواهرين من مصر، و قال:

إنني أريد ان أتكلم لك يا عبد العزيز، في شيء مهمّ، وهو أننا زرنا اليوم المآثر والمقابر فرأينا ما فتت أكبادنا، وأسال دموعنا، وما لا يقرّه دين، ولا شرف، ولا إنسانيّة، فقد رأينا الكلاب ترتع وتبول على أرض مسّها جسم النبيّ العربيّ عليه السلام، وهدمتم كلّ آثار هذا النبيّ، مآثر جهاده في سبيل إعلاء الشريعة والسّماحة والمساواة والحريّة، وأصبحت كلّ هذه المآثر قاعاً بلقعاً تتكاثر فيه الكلاب، وقلنا: لاشكّ أنّ حاكماً فعل هذا بإسم الدّين هو من الدّين براء، بل هو لم يأت إلاّ لخراب الدّين وقواعده وأسسه، وكلّ ما يدلّ على تاريخه، يا عبد العزيز، إنّ مَن كان قبلكم من الفاتحين المسلمين كانوا يحوّلون معابد غير الله إلى مساجد ومنابر لحريّة الرأي، ومهما قلتم في أسباب هدمكم لمآثر النبوّة والرسالة الإنسانيّة فلن يبلغ إلى مرتبة التصديق.

وكما أدى عدوان الأب (عبد العزيز) ومناصريه، من ”الإخوان الوهابيين” على الآثار الإسلامية المكرمة، في ذلك الوقت، إلى استنكار جمهرة المسلمين، في مختلف الأقطار، وإقدام الحكومات على إعلان الاحتجاج الرسمي، مثل (مصر) ـ التي امتنعت عن إرسال الحجاج، ووجه مسلمو (الهند) برقيات الاحتجاج، أدى عدوان الملك فهد، المدعوم من نفس فئة مناصري أبيه، إلى استياء إسلامي واسع النطاق، وإن وقع في ظل أغلبية من الحكومات الإسلامية الصامتة!

وكانت النتيجة، في عهد (عبد العزيز)، أن فرض كل من مؤتمري (مكة) عام 1926، و(الرياض)، عام 1927، المذهب الوهابي ـ إن جاز وصفه بذلك ـ على أتباع المذاهب الأخرى، وعبر حملات إعلامية وتثقيفية وضغوط إرهابية قمعية وإغراءات وتطميعات مادية، مما خلق حالة من العداء المذهبي والتعصب الطائفي المقيت، لا شبيه له في أي بلد إسلامي آخر، بينما جرى استغلال موسم الحج للترويج لذلك المذهب، عبر طبع الكتب التي تبشر به، وتندد بالمخالفين له، إلى أن تمكن ”الخطاب الوهابي” من احتكار مواسم الحج، وبعد أن حالت السلطة السعودية بين شيوخ المسلمين، من أتباع المذاهب الأخرى، وبين بسط رؤاهم، خلال هذه المواسم، بينما لم يكف المرشدون الوهابيون عن تحريم الاقتراب من ضريح النبي (ص) بناء على فتوى (ابن تيمية)، المثيرة للجدل.

في شيوع الخطاب الوهابي كان من نتيجة ذلك، في عهود خلفاء (عبد العزيز) وبخاصة منذ الطفرة الهائلة في أسعار النفط، في السبعينيات من القرن الماضي ـ أن شاع ”الخطاب الوهابي” وتمدد، في طول وعرض العالم الإسلامي، ووجد موالوه ومناصروه المنظمون، بين عامة الناس وخاصتهم، من حركات باسم ”إسلام سياسي”، و”دعاة تقليديون”، في رداءات مستجدة، و”دعاة مستحدثون”، في رداءات مُقلدة، ولسان الجميع ينطق بقطعية التحريم الإسلامي للفنون، بقديمها وحديثها، كأحد الثمار المرة لـ ”خطاب الإخوان الوهابيين”، ومسلكهم المناوئ للآثار الإسلامية، التي تقع في قلب الأصيل الإبداعي في فنون العمارة،

وبات كل ما ينتمي إلى هذا الفن، من نحت وصور مجسمة، أمراً مستنكراً، استناداً إلى مفهومها المبكر، في الدعوة الإسلامية إلى التوحيد، بين وثنيي شبه جزيرة العرب، وهو أمر يطمس أربعة عشر قرناً من الزمان الإسلامي، حضارة وعلماً وإيماناً، ويرتد بها إلى سابق عهده الأول، حيث ”الفئة المؤمنة” بين الوسط الوثني، ولكن، هذه المرة بين ”الفئة الوهابية”، ومن والاها، والفضاء الإسلامي، المتعدد المذاهب والمشارب والأنظار.

ليصير الأمر إلى أحادية مذهبية وهابية متجبرة، تعادي كل من لا يواليها، بعد أن جردته من الانتساب إلى أصل الدين، الذي جردته ـ بدوره ـ من آثاره، بوصفها ـ وللمفارقة ـ معادية لهذا الدين! إلى حد الإقرار بهذه المشروعية المصطنعة، بعد أن كانت حركة (طالبان) في (أفغانستان) قد أقدمت ـ قبل سنوات ـ على تدمير تماثيل (بوذا)، في أراضيها، رغم كل الوساطات الإسلامية والدولية لثنيها عن ذلك الفعل. وبذلك تجاوز ”الخطاب الوهابي” فضاءه المكاني إلى فضاء مترامي الأطراف، ليرتد بمواليه الكثر إلى روح الاعتصام بالقديم التي تتشبث بآلية جامدة للذاكرة، وتقلص الحياة إلى أشكالها البدائية.

ويبدو أن اشتعال الخصومة بين الإبداع والتعلق بالقديم الموهوم ـ بفعل هذا الخطاب ـ داخل العالم الإسلامي قد تزامن مع ما آل إليه من إحباط وعجز عن إعادة البناء، منذ عقود، ومع زحف أنماط الحياة الريعية والاستهلاكية، بسطوتها على الأفراد والجماعات، حتى استلب ما لديهم، من بداهات الأشياء ومنطق الأمور، فصاروا كيانات صماء، عاجزة، لا تدري من أمرها، ومن أمر ذاكرتها الإسلامية المتواترة، شيئاً، وفي مقدمتها (القرآن الكريم)، نفسه، الذي يستخدم أساليب التصوير الفني، كما يذهب الكاتب الإسلامي (سيد قطب) ـ قبل تحوله إلى روح ”الوهابية” ـ وهو تصوير يجري عبر طرق، تشمل التشخيص بواسطة التخييل والتجسيم، لذا يخلع (القرآن) ـ أحياناً ـ الحياة على الأشياء الجامدة، ويلجأ ـ أحياناً أخرى ـ إلى الصور الحسية والحركية، للتعبير عن حالة من الحالات، أو معنى من المعاني، إلى جانب دور الإيقاع الموسيقي في (القرآن)، وهو متعدد المعاني، ويتسق مع الجو النفسي، ليؤدي وظيفة أساسية في البيان، حيث لا يرد المعنى الفعلي العام، في القرآن، بطريقة تقريرية، بل يتوهج بصورة متعددة، لتشع في نفس القارئ إحساساً وتأثيراً، يتغلغل إلى كل جنبات الكيان والوجدان، فيرهف ويرق: ”وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع”.

إذن، ففي أصول التطور العقائدي نحن بصدد إيمانين متعارضين يعكسهما قول (سيد قطب) الآنف الذكر وأقوال ”الإخوان الوهابيين”، كما بسطنا جانباً منها أعلاه، وذلك فيما يتصل بالنظر الإسلامي إلى دور الإبداع الفني في تثبيت الإيمان، من عدمه. وتبدو أقوال (قطب)، السابقة، قريبة ـ إلى حد كبير ـ من العلوم التي اختصت بدرس التطور العقائدي للإيمان، حيث ينقل أحد الاختصاصيين الفرنسيين في هذا المجال، وهو(شارل جنييبيرت)، عن (أوجست ساباتييه) قوله: ”إن استيقاظ المشاعر يسبق في حياتنا دائماً استيقاظ الفكر”، ذلك أن الدين ـ كما يقول جنييبيرت ـ يُحس ويعاش، قبل أن يكون فكراً، ولهذا ليست العقائدية هي التي تنظم الإيمان وتحكمه، بل إن الإيمان هو الذي تتولد عنه العقائد.

ويضيف (جنييبيرت): ”نعلم أن كثيراً من العقائد تتولد أثناء صراعات الإيمان، وأنها، من بعض الوجوه تحمل طابع الإمكان، وأنها تحبس نفسها، إن صح التعبير، في الصيغ التي تمليها الظروف”.

صيغة ”العقيدة الوهابية” هي ـ إذن ـ بنت ظروفها التي تواءمت مع الجو العقلي والأخلاقي الذي تحتم عليها أن تحيا فيه، وهي أجواء البادية (النجدية)، بوحشتها وقسوتها وجفائها، مقارنة بأجواء (الحجاز) المدنية الباذخة، وفسيفسائها الإبداعي والثقافي والحضاري، وهو وسط لا تجد فيه هذه العقيدة أي ارتباط لها به، حيث يرفضها الحس المشترك، وحينئذ فإنها تتجمد، غير أنه يمكنها، ولفترة محدودة، أن تتعزى بتصور أنها قادرة، وحدها، على الصمود، ومجابهة كل شيء، وهو تماسك يصفه (جنييبيرت) بأنه تماسك مهيب، لكنه غير مُجدٍ، إذ تكون عوامل الموت قد تسربت إليها، وليس مهماً، بعد ذلك، تقدير الوقت اللازم لاختفاء آخر مظاهر الحياة في جسدها الخامد، ولا معرفة الساعة التي يختفي فيها آخر رجل يستمد منها شجاعته وعزاءه وآماله.

بيد أن العقائد المتهالكة والمحطمة ـ كـ (الوهابية)، بعد انهيار الدولة السعودية الأولى، أو بعد الحادي عشر من أيلول 2001 ـ لا يكون مصيرها العدم، لأن الفكر الإنساني الذي أوجدها لا يتحلل من تبعاتها، تحللاً تاماً، إنه سرعان ما يتناولها مرة أخرى، ويدخل عليها بعض التعديلات، ثم يسلكها في نظام جديد، ويدخلها ـ بذلك ـ ضمن بناء ديني آخر، وهو ما تسرب إلى بعض أوجه الخطاب الأزهري

التقليدي، فرغم انتمائه إلى المذهب الشافعي، إلا أنه أخذ ينطق بلسان المذهب الحنبلي المتشدد ـ الذي ترى (الوهابية) فيه أحد مرجعياتها ـ على نحو ما يتبدى في أطروحات بعض من ممثلي ”الخطاب الأزهري” ـ والذي تبوأ بعض منهم مشيخة الأزهر، أو مسؤولية دار الإفتاء أو الدعوة العامة، منذ (عبد الحليم محمود) و(عبد الرحمن بيصار) إلى (الشعراوي)، في سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته، حتى (فريد واصل) و(علي جمعة)، في مطالع القرن الجاري!

وذلك فيما يتصل بمشروعية الفنون، أو حدود الحرية التي تقف عندها، وهو الغطاء الذي كان يخفي إما خطيئة الصمت، وإما ذنوب التواطؤ على الجُرم السعودي ـ الوهابي تجاه الآثار الإسلامية في (الحجاز)، والتي يظل الحفاظ عليها جزءاً عزيزاً ـ ليس فقط ـ من الإيمان الإسلامي، بل من تراث الإبداعية الإنسانية، شاء الكارهون لها أو نددوا!.

وإذا نظرنا إلى الذين يرتابون من الفن بذرائع دينية، لألفينا الكثير منهم ممن يرتعدون ـ فرقاً ـ من حرية التفسير والاجتهاد، ويتجمدون عند الحرف، خشية ما تؤدي إليه الحرية من تحطيم عالمهم المستقر، الذي يجدون فيه الأمن والنفوذ، فكأنهم يمثلون فرقة من ”الكهنوتية الشمولية” ـ إن أبيح ذلك التعبير ـ تشغب على كل من يحاول الإفلات من سطوة تفسيراتهم الجامدة، أو ممن يجعلون من الدين أداة بطش وترويع ليستمدوا منه سلطانه، أو ممن يخشون على أنفسهم من الفتنة والتفكير، فيسمرون أقدامهم حيث تقف عقولهم، ويتدثرون بما يحجبها عن التأثر بأية مشاعر أو أفكار، أو ممن أتخموا في شبابهم بالآثام والخطايا، ثم يحاولون التكفير عما اقترفوه باتخاذ مواقف متطرفة من مهنهم السابقة، أو ماضيهم القديم، أو ممن تسطحت عقولهم، بفعل الجهل، بكل شيء، وضمرت تجاربهم، فلا يسيغون إلا ما يتملق جهلهم وضيق أفقهم.

ولا ريب في أن حال هؤلاء أو أولئك يتعارض مع دور العمل الفني الذي يتميز بشحذ قدرات الإنسان على إنتاج أشكال جديدة، دون أن يكون منافساً لغيره من المجالات، فيهدي أصحاب المجالات الأخرى، من خلال تلك الأشكال الجديدة إلى اكتشاف الينابيع النضاحة للحياة، والإمكانات الثرية للوجود، ويلفتهم إلى قدراتهم الواعدة لإعادة النظر وتعديل المسار، تمهيداً للتقدم في مجالاتهم خطوات أبعد وأفضل.

أما ما يخالف ذلك من فنون هابطة أو رديئة فإنها لا تدرج ضمن معايير الفن، التي تبرز فاعلية الإنسان في كل مجالاتها، على الأرض المحايدة للسديم المتجانس، ومن ذلك عمارة الفن الإسلامي، في قديمها وحديثها، التي نالت ـ ولا تزال ـ من التعرض، الكثير على يد (آل سعود) و(الإخوان الوهابيين)، ومن والاهم، في العالم الإسلامي…

ولا ريب أن الوهابية حينما تهدف إلى إفساد الدين وتشويه إسمه وسمعته وصورته، فهي الوجه الآخر لمشاريع تمزيق الخريطة الإسلامية انطلاقاً من تقطيع أوصال الشرق الأوسط باحتلال عقل الأمة وتزوير معاييرها فلا تعرف الصادق من الآفك ولا الناسك من الفاتك ولا الإرهابي من المقاوم.

وها هنا نقف على مكمن الدلالة الرمزية العميقة لمعنى آثار الرسول وآل بيته وصحابته، ومقاماتهم المباركة، ومعنى أن نقول بوجوب أن نرد عنهم المخالب والأنياب لأنهم موصولون بنهج التزامنا الشرعي في الدفاع عن الشجرة الطيبة والكلمة الطيبة والأسرة الطيبة والذرية الطيبة، وهذا هو منهاج القرآن الذي لم يدع سورة من سوره إلا أدخل عليها قضية الاستقامة وحفظ الوعي السليم في كل معترك يحتدم فيه الحق والباطل، ذلك أن المصيبة الجلى أن يصاب المسلم في دينه وعقله ومباني قبلته ووحدته منذ نزل القرآن بقوله تعالى: ”واتخِذوا مِن مقامِ إِبراهيمَ مُصَلى وعَهِدنَا إلى إِبراهِيمَ وإِسمَاعِيلَ أَن طَهّرا بَيتِيَ لِلطائِفين والعاكِفِينَ وَالركعِ السجود” ِ(البقرة: 125).

ونجد حين نتأمل في موقف النبي وأصحابه من آثار الأمم السابقة التي كانت موجودة في مصر والشام والعراق ومدائن صالح وما بها من آثار لأمم وحضارات سابقة، نجد أنه لم ينقل عن النبي أنه أمر بإزالتها أو طمسها أو التحذير منها، ومازال كثير منها باقياً إلى هذه الساعة، وهي أمام نظر علماء الإسلام من القرون الأولى، ولم ينقل عنهم الإنكار أو الدعوى إلى الطمس والإزالة.

والمخزي للوهابيين ومن يقف وراءهم، أنه إزاء ما فعلوه ويفعلونه بآثار النبوة والتوحيد، فإن آثار اليهود في المدينة المنورة باقية، فما زال حصن كعب بن الأشرف موجوداً في منطقة السد في المدينة، ومكتوب عنده (منطقة أثرية)، وكذلك بالنسبة لخيبر.

ويتسائل كل شريف في هذا العالم: كيف يحافظ آل سعود الوهابيون على آثار اليهود ولا يحافظون على آثار النبي وآل بيته وصحابته…؟!

وفي ظل ما نحن به، والدور الوهابي المتصاعد على ساحة إهدار الدم العربي، وتهديم التراث العربي وبخاصة الإسلامي منه، لابد من وجوب إدارة للمقدسات الإسلامية بعيداً عن الخلفيات الوهابية التكفيرية، فالضرورة تقتضي تحييد المدن الدينية والأماكن المقدسة بعيداً عن الأنشطة السياسية الوهابية المتغيرة، وإعادة الدور التوفيقي للحجاز الذي أصبح منتدى للأفكار الوهابية المتطرفة وتحولت أرض الحجاز الإسلامية إلى كيان لا هوية له، بعدما كانت تحتوي جميع المذاهب والمدارس الإسلامية.

فالدولة السعودية مسؤولة مسؤولية كاملة لأنها تقوم بالترويج للمذهب الوهابي الذي يحظى بثقتها وتمويلها، وبسبب ذلك مسخت هوية الحجاز وهدمت آثار الرسول وآل بيته وصحابته. ولابد هنا من تأصيل علم الآثار الدينية واعتباره علماً إسلامياً لما يترتب عليه من أحكام شرعية، ولو أنفق على هذا العلم وخبرائه مقدار ما أريق من الوقت والحبر والجهود على ما نراه من غث في المكتبات ودور النشر، لكان ذلك أجدى في حفظ الذاكرة الإسلامية عقيدة وثقافة وهوية. (650)

email

مقالات ذات صلة