قنوات الجزيرة والعربية… والتسابق لسفك الدّم العربي

مصطفى قطبي

بقلم : مصطفى قطبي |

المتابع لقنوات الجزيرة والعربية الإخباريتين الناطقتين بالعربية (إلا أنهما لا تمتا للعرب بصلة) يرى إعلاماً موجهاً يخدم مصالح القائمين عليها، وأنهما تشتركان بطريقة مباشرة في تنفيذ مخطط ”مشروع الشرق الأوسط الجديد” الذي طالما تحدثت عنه أمريكا والغرب، وبأنها تعمل على وتر واحد هو تهييج الشارع العربي وإحداث تصدعات عميقة في مجتمعاته.

في الأول من تشرين الثاني عام 1996 انطلقت قناة ”الجزيرة” القطرية وحملت شعار ما سمي بـ (الرأي والرأي الآخر) وشاهد المواطن العربي لأول مرة قادة الإرهاب الإسرائيلي يظهرون على الشاشات العربية مبررين أعمالهم ضد المواطنين والأطفال الفلسطينيين الأبرياء تحت هذا الشعار الكاذب: (الرأي الآخر)!

وعندما انطلقت قناة ”العربية” السعودية سمع المواطن العربي ولأول مرة أيضاً أن من يسقط برصاص العدو الإسرائيلي هو قتيل وليس شهيداً.

والغريب أن هاتين المحطتين بدأتا بثهما بالتركيز على الديمقراطية وحقوق الإنسان في البلدان العربية على حين أن بلديهما تحكمان من قبل أنظمة ملكية أميرية وراثية ولا تعرفان أي نوع من المؤسسات الدستورية أو الديمقراطية.

عندما احتلت الولايات المتحدة وحليفاتها العراق في العام 2003 وانطلقت القوات الغربية المحتلة من قواعدها في كل من السعودية وقطر والكويت والبحرين لتدمر العراق وتقتل الأطفال والنساء والشيوخ العراقيين، كانت كل من ”الجزيرة” و”العربية” في عداد قنوات الحرب التي واكبت هذه القوات ونقلت بياناتها العسكرية بالحرف في حين كان الشعب العراقي يموت بالآلاف تحت ضربات الغزاة الأميركيين المتصهينين!

أما في ليبيا فقد ظهرت هاتان القناتان على حقيقتهما، وروجتا لقتل عشرات الآلاف من الليبيين بطائرات الناتو، دون أن تنقلا خبراً واحداً عن هذه الضحايا، بل كان التركيز والتلفيق كله على ما أسمتاه جرائم (كتائب القذافي)!

أما في البحرين فممنوع على هاتين القناتين أن تبثا خبراً واحداً عما يتعرض له الشعب البحريني من اضطهاد، والسبب أن البحرين كما السعودية وقطر قواعد أميركية في نظر الغرب وأتباعه ولا شيء آخر!

الرأي الآخر، وبحسب قناتي ”الجزيرة” و”العربية” خاص بالإسرائيليين والأميركيين المتصهينين أو شيوخ الفتنة وسفك الدم ومن يحملون السلاح ضد الأنظمة الوطنية العربية، أما إذا كان الرأي الآخر يخص من يرفض الاحتلال والمشاريع الصهيونية والأميركية في المنطقة العربية ويدعم المقاومة فهذا ليس رأيا آخر! إنما هو رأي يجب إسكاته أو إلغاؤه ولو بالرصاص والقتل والذبح .

لقد انتهجت هذه القنوات خلال الثورات الأخيرة وابتعدت عن الحيادية في نقل الحدث والحقيقة التي يحث عليها ميثاق العمل الإعلامي الشريف ليتناسب ذلك مع أهدافها وبرامجها، متبنية الوجه الآخر ورافعة شعار ”الحرية السياسية للشعوب” كطعم ترميه أمام تلك الشعوب، وهذا يذكرنا بمقولة اليهود ”إن الحرية السياسية ليست حقيقة، بل فكرة، ويجب أن يعرف الإنسان كيف يسخر هذه الفكرة عندما تكون ضرورية، فيتخذها طعماً لجذب العامة إلى صفه، إذا كان قد قرر أن ينتزع سلطة منافس له”.

فجزيرة ”تميم” وعربية ”ابن سعود” وأعوانهما يعتمدون أسلوب التجييش الإعلامي المأجور، لتعبئة الحقد والكراهية والتحريض على الإجرام والخراب بالمنطقة العربية، فقد تخلت عن القيم والأخلاق الإنسانية والضمير في هذا الظرف الذي يفتقر معظم حكامه إلى الضمائر والقيم الإنسانية.

فبدلا من أن يكون الإعلام شاهداً على اللحظة وناقلا للحقيقة أضحى إعلاماً مأجوراً يعتمد على المجرمين مراسلين والقتلة محللين، وقد لاحظ الشعب العربي الكثير من الصور المفبركة والرسائل الإعلامية الملفقة والفاضحة المليئة بالشر والكذب وصفها مرتزقة الإعلام الخليجي وأضحى همهم التشويه وضرب استقرار المجتمعات العربية، وقد شاهد الكثير من الصور المزيفة عما حدث في مصر وليبيا وتونس والعراق واليمن وسورية وغيرها.

فبين الإرهابيين الذين يحملون السلاح ويقتلون ويفجرون ويخربون، وإعلام ”الجزيرة” و”العربية” اللذان اختارا أن يكونا منبراً حراً للإرهاب وذراعاً تسويقياً له، هناك قواسم كثيرة مشتركة يستدل عليها عندما يحتل الإرهابي نشرات أخبار قنواتهما، بإسم ”المجاهد” وعندما يحمل زعيم التنظيم المسلح أو السلفي أو التكفيري لقب ”الشيخ” علناً، وعندما تصور المجازر المروعة التي ترتكبها المجموعات الإرهابية المسلحة على أنها بطولات ”للثوار!” في قتال الدولة الوطنية… لم العجب ما دام كل شي في عرف ” قنوات ثورات الربيع العربي” مباحاً.

بمعنى آخر الذي حدث في المنطقة العربية والذي سمي (بالربيع العربي) سبق ذلك حملات إعلامية طالت بلداناً عديدة، والتي كانت تهدف إلى استخدام الإعلام كوسيلة للوصول إلى الغاية المرجوة عبر الفبركات لإقناع الرأي العام بفظاعة ما يحدث على الأرض والإيحاء بأنه لا يمكن حل هذا الإشكال إلا عبر التدخل الدولي لحماية المدنيين وبالتالي يكون الإعلام قام بتمهيد حقيقي من خلال الصورة والفكرة المراد التركيز عليها للوصول إلى الهدف المطلوب…

وتصبح الحرية والديمقراطية هي أداة القتل التي تمت في مناطق كثيرة وانهيار مجتمعات بكاملها أي بمعنى تلاشيها كدولة بكافة مكوناتها وانهيارها اقتصادياً، وربما يكون هذا هو الهدف المراد أو هي بداية للمتابعة باتجاه إدخال المنطقة بحالة تخلف لم يسبق لها مثيل كما يحدث الآن في المنطقة العربية والشرق الأوسط، للسيطرة على الثروات بكافة أشكالها والبدء بتشكيل واقع ومعطيات جديدة هدفها مصالح الولايات المتحدة وحلفائها، والأمر الواضح الذي يتم أيهام العالم به هو حماية المدنيين وحقوق الإنسان والحرية والديمقراطية…

كل ما تحدثنا عنه بعضه طبّق، والبعض الآخر تجري المحاولة لتطبيقه للوصول إلى الغاية المرسومة. فالتضليل والدعاية عن الواقع والحقيقة في خضم المواجهة الإعلامية حول ما جرى في ليبيا يؤكد دور الإعلام في الحرب، والتي كان ضحيتها الشعب الليبي، إضافة إلى ما جرى ويجري في مصر أو في تونس أو في اليمن…‏ والحملة الإعلامية التي تبث سمومها تجاه ما يجري في سورية هو الدليل على قوة الهجمة وشراستها، والتي شاركت بها محطات غربية وعربية عبر الفبركة المصطنعة والتي تخدم الغرض المراد والتي تصاعدت وتيرتها بشكل مستمر من خلال تصوير الحالة وكأنها أضحت بحكم المنتهية لإيهام الرأي العام بصورة مغايرة للواقع وزرع اليأس والخوف.

هذا ما تم بشكل واضح وجلي في ليبيا، عبر الفبركة المستمرة وبنفس اللحظة كان حلف الناتو يقوم بقصف جميع المنشآت العسكرية والاقتصادية لجعل السنوات المقبلة لبناء ما هدم والذي يستغرق عشرات السنين، وبالتالي الذي يدفع الفاتورة بالنهاية هو الشعب الليبي.‏

وحين نتحدث عن قنوات الفتنة والتحريض لابد من أن نتوقف طويلا عند قناتي ”الجزيرة والعربية” اللتين تصدرتا قائمة القنوات الشريكة في سفك الدم العربي باعتبارهما منبراً حراً للإرهاب وذراعاً تسويقياً له، ولا أحد ينكر عليهما الأدوار المختلفة التي تفننتا بها لقلب الحقائق وبث الأخبار الكاذبة والمخالفة للواقع، وشن حملة من الأكاذيب لتصعيد الوضع في عدة دول عربية، كليبيا وتونس واليمن ومصر وسورية، الأمر الذي لم يتوقف عند هذا الحد، بل أصدرت هاتان القناتان أوامر عمليات للمجموعات الإرهابية المسلحة لارتكاب المجازر وتنفيذ التفجيرات في مناطق عربية.

فالعديد من الأخبار كانت تبث على قناة الجزيرة قبل أن تحدث بساعات أو دقائق لتكون أوامر عمليات لهذه المجموعات الإرهابية. وبالتوازي مع ذلك تكون هناك صور جاهزة واتصالات من داخل البلدة التي تحدث فيها المجزرة, وبسرعة خيالية تستطيع هذه القنوات أن توفر أشخاصاً من داخل هذه البلدة يتحدثون عن ”قصف مستمر منذ الصباح على البلدة” ليتبين سريعاً أن الشهداء قد ذبحوا بسكاكين الإرهابيين.

إذاً… ما الفرق بين الإعلام الدعائي للإرهاب والعمل الإرهابي نفسه؟

لا نعتقد بأن هناك فرقاً بينهما سوى في الفعالية والأهمية التي يضمن فيها الإعلام الشريك في سفك الدم العربي للعمل الإرهابي ديمومته، كما يضمن استمرار المساعدات المالية له، وتجنيد مرتزقة جدد يسفكون الدماء ويفجرون الحياة لغايات ومصالح مجنديهم التي لم تعد خافية على أحد.

نعم، لقد خرجت فضائيات ”الجزيرة” و”العربية” المأجورتين عن دورهما المهني، فالمذيع فيهما يتحول إلى ما يشبه الخبير والعالم بكل شيءٍ، فهو يطرح الأسئلة المغرضة، ويتوقع الاحتمالات على الأرض كما يحلو له، ممارساً بوقاحة عملية التشفي والتحريض على القتل والجريمة، مستعيناً بمن يسميهم (محللين وخبراء) مأجورين حتماً، الأمر الذي يذكّر بدور ”رامبو الأميركي” الذي يعرف كل ما يدور في جميع المدن والقرى، ليل نهار وصباح مساء، وهو في ذلك يوحي لهم بأن أوضاع الناس سيغطيها الرخاء الأميركي والغربي، كما غطّى أهل العراق الذين لا يجدون قطرة ماء نظيفة، ويعانون من الأوبئة والأمراض والفقر في ظل الديمقراطية الأميركية!

ولم يتوقف دور قنوات الفتن وسفك الدم العربي على لعب الدور السلبي فحسب، بل لعبت أيضاً على وتر القضايا الإسلامية والعربية مستثيرة بذلك أحاسيس ومشاعر الشباب المتحمس، وذلك ليس حباً فيهم بقدر السعي وراء جر الشعوب إلى الحروب الأهلية والفوضى، ليس فقط لإنجاح المخطط الصهيوني بل أيضاً لتسمح للغرب بالتدخل والسيطرة على مقدرات الأوطان وثرواتها وتقاسمها مع الشركاء بحجة حماية المدنيين الأبرياء، ثم إقامة أنظمة جديدة وعملية قابلة للتطبيع مع الكيان الصهيوني بشكل كامل وفي شتى المجالات.

لقد انطلت تلك الحيلة المنفذة بإشراف خبراء دوليين متخصصين في الإعلام الموجه على الشعب العربي بكل أطيافه، حتى إن الأصوات القليلة التي أدركت خطورة الدور الذي تلعبه هذه القناتين وحاولت أن تنبه إلى ما ينتظر المجتمع العربي من مآس ومصائب على يديها، قمعت وأخمدت في مهدها، لتظل الساحة مفتوحة لعبث وتشويه وتخريب قنوات التضليل مع التصفيق لها من الجمهور العربي المستغفل.

وبالوصول إلى الإعلام العربي المتهالك أصلاً منذ عقود، الذي يُشبه بشكل غريب كل فرد منا، تأكله رغبة جامحة بفرض آرائه على الجميع، غير المجتمعين بدورهم، فمن المُضحك المبكي في الوقت نفسه أن يعتقد أحدنا بأن أفضل قناتين خرج بهم العالم العربي أجمع وهما ”الجزيرة” و”العربية”، يسيران على درب الإعلام الحر والحيادية في نقل الخبر، إذ لا يكفي أن تصدح شاشاتهم بأقوال صحيحة حتى تكون سياساتهم صحيحة مثال: ”الرأي والرأي الآخر” في كل العالم إلا في قطر.

أو ”أن تعرف أكثر” عن كل العالم إلا مملكة آل سعود، إضافة إلى اختراقهم لأبسط قواعد الإعلام باعتمادهم على مصادر غير موثوقة ومتخفية، أي لا يمكن حتى التعرف إلى صحّة ما تنقل من أخبار، وهذا بحجة عدم قدرتهم على إقحام مراسليهم في قلب الحدث، ليصبح حالهم كالمثل القائل (نكايا بالطهارة…).

إنهم ”جيش” الفوضى التي أرادت أميركا زرعها في وطننا، كما فعلت في العراق وأفغانستان، وفي أكثر من بلد عربي كاليمن والصومال والسودان الذي قسمته إلى دولتين، واحدة منهما حليفة لإسرائيل ضد جزئها الآخر، حققت أميركا مبتغاها في السودان وتسعى إلى تقسيم الوطن العربي إلى دويلات ضعيفة تقضمها الصهيونية شبراً بعد شبر.

وما فعلت في السودان فعلته في العراق الذي تركته في ”كوما” بحاجة إلى عشرات السنين لإنعاشه… وكذلك تحاول أن تفعل في سورية الوطن، سورية الموقف، سورية التي من أسباب وجودها وقوتها موقفها الرافض للاحتلال الإسرائيلي في أكثر من مكان في الوطن.‏

هذه ”الفوضى الخلاقة” كما عبر عنها أحد كتاب ”التايمز” البريطانية، هي في النتيجة لصالح العدو الإسرائيلي، أن تبقى إسرائيل بمنأى عن الخوف والرعب، الذي إذا توحد العرب من أقصاهم إلى أقصاهم لهاجر اليهود عائدين إلى بلادهم من دون حرب… لاقتلعوا وجودهم من أرض لي، ووطن ليس وطنهم لأنهم يعرفون أنهم بدون الدعم الأميركي المستمر بالمال والسلاح سيجدون أنفسهم في غير مكانهم وبأنهم فوق أرض ليست أرضهم.‏

ومن المؤكد والواضح جداً، أن منطقة الشرق الأوسط أصبحت ميدان اختبار وتجارب، بين طرفين متصارعين لإثبات وجودهما وفاعليتهما، وهذان المتصارعان ليسا بشراً بل وسائل ابتدعها البشر وهي من صنعهم وهي وسائل الإعلام… فالأحداث المفتعلة إلى حد ما، جعلت التسارعية صفة من صفاتها في كثير من الأمكنة والبلاد شرقاً وغرباً وفي المنطقة العربية خصوصاً، حيث يجري على أرض الواقع تنفيذ المخططات ونزالات أشبه بنزالات الفرسان في القرن السابع والثامن عشر، لتقسيم المقسم وتجزيء المجزئ!

إن الغرب السادي المحب للهيمنة والسيطرة والحاقد على المنطقة عبر التاريخ، يريد ابتلاع وسرقة ثروات هذه البلاد الغنية، وذلك بعد أن أعطت القارة العجوز، وقبلها الولايات المتحدة، إشارات لهزات وأزمات اقتصادية خانقة، ومن ثم العودة إلى الماضي، إلى زمن الاستعمار، إلى توصيات ”بنرمان” و”كيسنجر”، بالاحتلال لمنطقة الجنوب للساحل الشرقي والغربي للبحر المتوسط، حيث هناك شريان الحياة!

والآليات المعدة لهذا الهجوم، باتت واضحة ومهيئة، وأقصر طريق يسلكه الغرب لبلوغ ذلك، هو التمزيق الدائم والاختراق المستمر وإشعال نار الفتن التي تحرق الأخضر واليابس، ولذلك تسعى الشركات العملاقة المتعددة الجنسيات، التي يديرها ويمتلكها مسؤولون سابقون في الدول الغربية (ذوو انتماء صهيوني وينفذون أجندات صهيونية) تسعى إلى استخدام إعلام التضليل لقنوات ”الجزيرة” و”العربية”، اللذان لا يتوقفان لحظة عن بث سمومهما في المجتمعات العربية خدمة لأمريكا وإسرائيل.

ف”الجزيرة” أو ”العربية” لم تكن يوماً من الفضائيات المتكاثرة، تعبر عن جمعية خيرية للصحافة والإعلام، ولم تكن يوماً محايدة، أو بلا غاية تكتيكية أو استراتيجية، بل كانت على الدوام انتقائية توظف الخبر وتحاليله توظيفاً صهيونياً يراكم النتائج تحت شعار الموضوعية وتحت سمع وبصر الإعلام والفضائيات الأخرى التي لا تمتلك حولاً أو قوة احترافية، أو مهارات تكتيكية، تجعلها أهلاً للتنافس أو الرد الاستراتيجي طويل النفس.

ومن حقنا الآن أن نتساءل عن طبيعة العلاقة بين هاتين القناتين وبين العدو الصهيوني؟ وهل هي علاقة قائمة منذ أصل التأسيس أم علاقة طارئة؟‏

إن العودة إلى الوراء سنوات وسنوات، وملاحظة الأفضلية المعطاة للناطقين الإسرائيليين في مواجهة المتحدثين الفلسطينيين، تشير بما لا يدع مجالاً للشك إلى ارتباط قنوات الفتنة بالعدو الصهيوني ومخططاته. وعندئذ فإن هذا الاستنتاج يسهم في فهم الدور الذي تقوم به قنوات الفتن في إثارة الفتن ولمصلحة من تقوم بهذا الدور عملياً.‏

إن محاولة فضائيات الجزيرة والعربية، وهي كلها في خدمة المعسكر أو التحالف الامبريالي ـ الصهيوني ـ الرجعي لإعطاء الفتن صفة الثورات لا يمكن أن تخدع أحداً، فالثورات الحقيقية لا تأتي من أوكار معروفة بارتباطها بالإمبريالية والصهيونية وعملائهما.‏

لكن المشكلة تكمن في تعاملنا مع هذا الفضائيات الفتنوية. وهنا فإننا نجد أنفسنا مضطرين لطرح الأسئلة التالية:‏

1ـ هل من حق قنوات الفتن وهي التي تحرض على التخريب والقتل أن تحتفظ بمكاتب ومراسلين لها في بلادنا العربية أم أن علينا أن نرفع في وجهها كلمة: إرحلي!

2 ـ هل يجوز لأي واحد منا إذا كان يعارض سياسة هذه الفضائيات وأساليبها، أن يتعامل معها بأي عذر كان طالما أنه سيعامل من قبلها كمتهم وسيتخذ من قبلها كدريئة مثلما سيؤخذ سلماً لإظهار شخص آخر همه تفنيد ما يقوله وخدمة منطق الفتنة؟ ألا يكون التعامل مع هذه القنوات عندئذ إسهاماً في تمكينها من تنفيذ مخططها الإجرامي؟‏

3 ـ إلى متى يتوجب علينا أن نعامل هذه القنوات المتورطة في صنع الفتن على أنها عربية أو منابر إعلامية، بينما نحن على ثقة الآن من أنها لا تخدم العرب والعروبة بأي شكل من الأشكال ولا تلتزم بالسياسات الرسمية المعلنة للبلدان التي تتواجد فيها، مثلما نعلم أنها شريكة في المسؤولية عن الأرواح التي تزهق والدماء التي تهرق؟‏

4 ـ إذا كانت وراء هذه القنوات حكومات تحميها، فمن حقنا أن نواجه تلك الحكومات بنفس المنطق الذي تتبعه تلك الفضائيات وأن نقوم بدورنا بحملات إعلامية مضادة، أما إذا كانت خارجة عن كل إطار للمسؤولية فلنتخذ عندها الإجراءات التي تتناسب مع فضائيات منفلتة هجينة لا يعرف لها أب ولا تعرف لها أم، مع يقيننا أن العدو الصهيوني هو أبوها وأن الولايات المتحدة هي أمها.‏

5 ـ إذا كان بعض المحامين العرب يبحثون في رفع دعاوى قضائية ضد فضائيات الفتن. فإننا ندعوهم إلى مطالبة هذه الفضائيات والدول التي تتحمل مسؤوليتها التعويض ليس فقط عن الخسائر المباشرة الناجمة عن الفتنة ولكن أيضاً عن الخسائر الاقتصادية سواء تمثلت في انخفاض سعر العملة أم في التباطؤ الاقتصادي وهذه حقوق للشعب العربي كله من حقه أن يطالب بها وأن يصر عليها، وإلا فإن على الفاتنين أن يتحملوا النتائج الأخرى التي يمكن أن تترتب على فعلتهم القذرة. ولا يجوز لأصحاب الفتن أن يعتقدوا للحظة واحدة أنهم بمنجاة من العقاب، فإن أبناء الشهداء وذويهم لن يغفروا لهم ما فعلوا إذا غفرت لهم الدول المتضررة.‏

هذا ولم يبالغ بعض المحللين والكتاب السياسيين عندما وصفوا هذه المحطات الإعلامية أو الفضائيات المأجورة بأنها تحولت بالفعل إلى ”قواعد للمارينز” الإعلامي الذي يشن هجوماً شرساً على كل من يحاول عرقلة سير السياسة الأميركية الهادفة إلى الهيمنة على الأمة العربية وتسييد إسرائيل على المنطقة.

وهذا يوضح لنا بجلاء أن ”الجزيرة” و”العربية” وما تقومان به أصبح يشكل خطراً حقيقياً على الشعوب العربية كافة وليس على الأنظمة فحسب، ويتطلب من جميع الشعوب، أن تقف وقفة جادة وتقاطع القنوات والوسائل الإعلامية كافة التي تبث الكراهية والكذب وتزور الحقائق وتعرض أمن الأوطان للمخاطر.

فأمن الأوطان أهم من أي قناة ومن أي سبق صحفي يسجل على حساب أرواح الأبرياء، فهذه القنوات ساهمت وستساهم بشكل كبير في تأجيج الصراعات بين الأنظمة العربية وشعوبها بهدف إضعاف وتمزيق الدول وجعلها عاجزة عن تكوين أي اتحاد عربي موحد يمكنه أن يقف عائقاً أمام التحديات الصهيونية والمشروع الصهيوني الذي يقول الصهاينة فيه: ”سنعمل كل ما في وسعنا على منع المؤامرات التي تدبر ضدنا حين نحصل نهائياً على السلطة، التي سنصل إليها بعدد من الانقلابات السياسية المفاجئة التي سننظمها بحيث تحدث في وقت واحد في جميع الأقطار، وسنقبض على السلطة بسرعة عند إعلان حكوماتهم رسمياً أنها عاجزة عن حكم الشعوب”. (419)

email

مقالات ذات صلة