إلى متى يبقى آل سعود يعبثون بالحجّ والحجيج؟

مصطفى قطبي

بقلم : مصطفى قطبي |

لقد حوّل النظام السعودي موسم الحج كغيره من الأعوام من عبادة إلى تجارة، ما حرم كثير من المسلمين من أداء أحد أركان الإسلام الخمسة، رغم تشوقهم لذلك هذا عدا عن (تسييس) هذا الطقس من طقوس العبادة عند المسلمين، وحجب حق أداء هذه الفريضة بقرار من آل سعود عمن لا يدور في فلك مصالحهم من سائر شعوب الأمة الاسلامية، كقرار منع الحجاج السوريين من أداء فريضة الحج هذا العام، ما خلق غصة عند كل من لم يستطع إليه سبيلاً.

وقد حمّلت لجنة الحج العليا الحكومة السعودية مسؤولية منع المواطنين السوريين من أداء هذا الركن المهم، وأعلن رئيس اللجنة العليا للحج وزير الأوقاف محمد عبد الستار السيد أن الحكومة السعودية منعت الحجاج السوريين للموسم الثالث على التوالي من أداء فريضة الحج في سابقة لم يشهد التاريخ لها مثيلاً، محملاً في بيان الحكومة السعودية “المسؤولية الكاملة لقاء هذا العمل المشين أمام الله وأمام التاريخ والأمتين العربية والإسلامية”.
وكشفت مصادر حكومية أن هناك ما يقارب من 3 آلاف سوري من المتوقع أن يؤدوا فريضة الحج من أصل 20 ألف مقيم في الأراضي السعودية.

لقد بات من المؤسف تغلغل (السمسرة) في طوايا هذه الشعيرة المقدسة، وأن تستخدم (ورقة الدين) لتحقيق مكاسب تجارية وأرباح وريعية تجنيها شركات وسلسلة الفنادق، وأصحاب المولات والمتاجر العائدة في ملكيتها لأمراء آل سعود، الذين جيروا مواسم الحج وسدنة الكعبة الشريفة، لزيادة ثروتهم الطائلة التي قدرها مراقبون ماليون (في تقرير دولي صادر عن منظمة النزاهة المالية العالمية) بأكثر من ثلاثة تريليون دولار مودعة في البنوك الأمريكية والغربية، وتشير الإحصاءات الرسمية إلى أن موسم الحج بات جزءاً مهماً من اقتصاد آل سعود.

فعاماً بعد عام يرتفع عدد الحجاج القادمين من داخل وخارج السعودية نتيجة لنمو عدد شركات الطيران ووسائل السفر حول العالم من جهة، وتزايد أعداد الفنادق وأماكن السكن من جهة أخرى، ولا شك أن كل حاج بغض النظر عن إمكانياته المالية يتكيف مع الوضع السائد هناك عند وصوله سواء باتخاذ الأرض الكائنة بجوار المشاعر المقدسة سكناً له، أو السكن في أفخر الفنادق التي تم تأسيسها حول الحرم النبوي والكعبة.

وهناك مجموعات كبيرة تسكن بعيداً نتيجة لكثرة الزحام، الأمر الذي يزيد من احتياج الناس إلى استخدام وسائل التنقلات لأماكن السكن البعيدة، وبالتالي ُيستغل هذا الأمر من قبل بعض السعوديين، وبخاصة أصحاب المواصلات برفع أسعار المواصلات من داخل المدن الرئيسية في مكة المكرمة والمدينة المنورة وغيرها من الأماكن التي يتردد عليها الحجاج لاستكمال الشعائر المطلوبة لهم.

ووفقا لوسائل الإعلام المحلية فان إيرادات الحج والعمرة للعام الماضي بلغت أكثر من 18 مليار دولار وهو مبلغ كبير لا يستهان به. فهناك مليون زائر يقصدون زيارة الأماكن المقدسة شهرياً، وهذه الإيرادات من قطاع الحج والعمرة زادت خلال العام الماضي بالمقارنة مع العام السابق، وذلك مرده إلى ارتفاع كلفة الحج والمعيشة هناك وفق ما ذكرت به الصحف المحلية مشيرة إلى أن متوسط إنفاق الحاج الواحد يراوح بين سبعة آلاف و15 ألف ريال سعودي أي ما بين (1900 إلى 4000 دولار).

إنّ فريضة الحج أصبحت اليوم توفر ملايير الدولارات سنوياً، وتنشّط أعمال وحركة اقتصاديات الكثير من المؤسسات والشركات والمحلات الصغيرة التابعة لأسرة آل سعود، ومن المفارقات الفاجعة أن يجير آل سعود هذه الأموال الهائلة لتمويل الإرهاب وزعزعة أمن واستقرار عدد من دول المنطقة وفي مقدمتها (سورية) في إطار المخطط الأمريكي لإعادة رسم خارطة شرق أوسط جديد و بدل تجييرها لمساعدة شعوب الأمة الإسلامية المنكوبة كالشعب الفلسطيني وأهلنا في غزة كأقرب مثال، ما يبرر ضرورة الدعوة إلى تحرير الأماكن المقدسة من شهوة آل سعود للكسب والإنفاق غير المشروع باستغلالهم لشرف تخديمها وسدنتها.

فسوريا عبر التاريخ لم تكن نخشى استغلال الدين إلا عندما أصبح البعض في حالة الذبول والانحطاط الحضاري وبدأ استغلال البعض للدين كعباءة من صنع أعداء الإسلام عبر القتل والتكفير والحقد ولكنهم رغم كل ما فعلوه لم يستطيعوا أن ينالوا من الجسد الديني ومن العلماء ومن المؤسسات الدينية والمؤسسات الشرعية في سورية التي وقفت حاجزاً أمام استغلال الدين لإغراض خاصة.

لاشك بأن الشعب السوري ومنذ ثلاث سنوات حرم بشكل ظالم لم يسبق له مثيل في التاريخ من هذه المشاعر الإيمانية ومن أداء ركن الحج والعمرة.
في ظل ما نحن به، والدور الوهابي المتصاعد على ساحة إهدار الدم العربي، وتهديم التراث العربي وبخاصة الإسلامي منه وتعطيل ركن أساسي وهو فريضة الحج للسوريين، فلابد من وجوب إدارة للمقدسات الإسلامية بعيداً عن الخلفيات الوهابية التكفيرية، فالضرورة تقتضي تحييد المدن الدينية والأماكن المقدسة بعيداً عن الأنشطة السياسية الوهابية المتغيرة، وإعادة الدور التوفيقي للحجاز الذي أصبح منتدى للأفكار الوهابية المتطرفة وتحولت أرض الحجاز الإسلامية إلى كيان لا هوية له، بعدما كانت تحتوي جميع المذاهب والمدارس الإسلامية.

والحل يكون بإعادة الاعتبار للمدن الدينية والعتبات المقدسة والسلطة المعنوية للحجاز بتأسيس لجنة دولية إسلامية متضامنة للإشراف على الحج وأن يكون لها دوراً محورياً في حماية المقدسات الأخرى في العالم الإسلامي.

فمكة المكرمة والمدينة المنورة يجب أن تكونا تحت سلطة دينية وليست سلطة سياسية جغرافية، مثلها كمثل الفاتيكان بالنسبة للإخوة المسيحيين في العالم فهي مفصولة عن أي قرار سياسي في العالم وما موقف البابا فرنسيس الأول تجاه الأزمة السورية إلا شاهد على استقلالية قرار الكنيسة.

فالحج لبيت الله والسياسة لأهل الأرض، وبهذا لا تتأثر هذه الأرض المقدسة بأي مزاج سياسي فقط لأنها تقع تحت سلطته الجغرافية…؟!

فالأماكن المقدسة لم تكن يوماً ملكاً لأحد… ومن منطق الشريعة ألاّ يحكمها مزاج سياسي ما… من شريعة المنطق أن تعطى هذه الأماكن المقدسة في جغرافية محددة ما يلزمها بدور الأب الروحي لجميع المسلمين في العالم والسؤال: هل هذه الدولة تقدم هذا الدور!؟ ومن منطق اقتصادي، توافد المسلمين على هذه الدولة ليس إلا لوجود تلك الأماكن المقدسة فيها ما يخلق ريعاً اقتصادياً كبيراً هي ليست أصلاً بحاجته لأسباب اقتصادية معروفة… وهنا أليس من الواجب أن توجه هذه المداخيل إلى البلدان الإسلامية التي تحتاجها؟

وأخيراً وليس آخر، فالحج ركن أساسي من أركان الإسلام لا تستطيع دولة ولا نظام ولا السياسة أن تسيّس هذا الركن، وأنه يجب تخليصه من أن يكون خاضعاً لأهواء أو رغبات أو لقرارات أو لأسس سياسية باعتباره جزءاً من إسلام المسلم لا يصح الإسلام إلا به. (346)

email

مقالات ذات صلة