يا شيوخ الفتنة.. اتقوا الله في ما بقي من اوطانكم!

د. إبراهيم العاتي

بقلم د. إبراهيم العاتي |

حينما تحتدم الصراعات في بلد ما وتشتد النزاعات بين ابناء البلد الواحد، فان الحاجة تكون ماسة جدا للعقلاء والحكماء وأصحاب الرأي والبصيرة من مختلف الاطراف المتنازعة، لكي يطفئوا النيران، ويشيعوا ثقافة الحوار، والبحث عن المشتركات والتقريب بين وجهات النظر، ليجنبوا شعوبهم الحروب الاهلية والنزاعات الداخلية التي يقتل فيها الاخ اخاه، والصديق صديقه، والجار جاره، تحت شعارات دينية او عرقية أو مذهبية، يمكن ان تكون مصدر ثراء وقوة لأي مجتمع من المجتمعات، كما هوالحال في المجتمعات الغربية التي آمنت بالتعددية والعيش المشترك متجاوزة سنين طويلة من الحروب الدينية والقومية المختلفة، بينما تنزلق مجتمعاتنا الى وادٍ سحيق من الصراعات الطائفية والمذهبية التي ليس لها الا هدف واحد، وهو ان يغرق العرب والمسلمون بدمائهم كي ينام الكيان الصهيوني آمناً مطمئناً، كما يخطط قادته!

وكان من المفروض ان يكون رجال الدين هم اول من يتصدى لإطفاء نيران الفتن التي تعصف بالمجتمعات العربية والاسلامية، ناهيك عن العالم اجمع، باعتبار الاهداف الانسانية التي تدعو لها الاديان، ولشدة ما حثّ عليه الاسلام من دعوة لتجنب الفتن وحرمة سفك الدم الحرام والدعوة للرحمة والسلام والتسامح قال تعالى: ((واتقوا فتنة لا تصيبنّ الذين ظلموا منكم خاصة)) (الأنفال: 25).

لكن نفراً من المشايخ نسوا او تناسوا تلك القيم السامية والمعاني النبيلة التي دعا اليها الاسلام فعملوا على العكس منها، وراحوا يشعلون الحرائق في كل اتجاه، ويصبون الزيت على النار، من خلال اثارة الاحقاد الطائفية والمذهبية والعنصرية…وكان العراق – بوجه خاص- ساحة للتحريض الطائفي الذي مارسه شيوخ الفتنة و(علماء) البترودولار، فتحول الى موجات من الدم المسفوح في بلاد الرافدين. واذا كانت لهؤلاء المشايخ اجندات خاصة تنطلق من رغبة جامحة لدى دول اقليمية وعالمية بأن يظل العراق متوترا وفاشلا سياسيا، لأنها مستفيدة اقتصادياً وسياسياً من هذا الوضع، فمصادر الانتاج في العراق لكن مكاتب الشركات المستثمرة في الدول الخليجية التي تجني منها ارباحاً كبرى، وكذلك لو نجحت التجربة السياسية العراقية القائمة على الاختيار الديمقراطي وما يحدده صندوق الاقتراع، فإنه سيكشف مدى التخلف السياسي في هذه الدول القائمة على انظمة قبلية بدائية تجاوزها الزمن!!

وكان آخر هؤلاء المشايخ الذين نفخوا في نار الفتنة هو الشيخ الدكتور احمد الكبيسي، الذي لم نكن نتوقع ان تصدر عنه مثل تلك التصريحات التي يطعن فيها بالمكون الشعبي الاكبر في بلاد الرافدين، ألا وهم شيعة العراق الذين يمثلون الأغلبية بين عرب العراق، كما يوجد لهم حضور ونسب سكانية جيدة بين المكونات العراقية الأخرى كالكرد والتركمان.

لقد ناقض الشيخ الكبيسي نفسه بنفسه، فقد هاجم داعش في البداية وحذر السنّة من التعاون معها، لكنه حاول تبرير مواقفها فيما بعد وصورها بأنها تدافع عن اهل السنة، وان الحرب الاخيرة بعد سقوط الموصل هي حرب بين الشيعة والسنة!!..ونسي انه قد أثنى على الشيعة تناء حاراً بعد سقوط النظام الاسبق، وفي مقابلات تلفزيونية معه صرح بأن أعلام الثقافة العراقية جلهم من الشيعة، وأن الذي قاد الجهاد ضد الانجليز حينما احتلوا العراق في الحرب العالمية الاولى كان قائداً شيعياً، وان العشائر العربية الشيعية في جنوب العراق لا اختلاف بينها وبين العشائر العربية السنية لأنها متداخلة في اواصر النسب والقرابة!.. وغير ذلك من مقولاته التي ينقض بعضها بعضا، فلا ندري ايها نأخذ من كلامه وأيها نترك؟!

وإذا علمنا أن شخصيات سنية عراقية بارزة لا توافقه على ما تفوه به من سباب بحق شريحة كبرى من ابناء بلده، فكأنه إذن يطعن بالشعب العراقي بمجمله، ويكون قد خلع عراقيته وارتدى زي دولة أخرى يقلد شيوخها في ازيائهم ولهجتهم وطريقة تفكيرهم، وزاد على ذلك امتثاله لأوامر حكامهم في النيل من شيعة العراق، كمقدمة لتمزيق هذا البلد وتشتيت ابنائه، كما حاول ذلك دكتاتور العراق السابق عن طريق حروبه الكارثية وسجونه الدموية ومقابره الجماعية التي لم يكتشف منها إلا النزر اليسير، رغم أن هذا المكتشف يعد بعشرات الألوف!! لكنه فشل في ذلك، لأن المكر السيء يحيق بأهله.

والغريب أن فئة من أتباع النظام (العفلقي) السابق من القتلة والسفاحين الذين تمرس بعضهم في الإجرام حتى صاروا يذيبون الناس في أحواض الأسيد، أطلقوا اليوم لحاهم وقصّروا جلابيبهم، بل ولبس بعضهم العمائم، وصاروا يتحدثون باسم الإسلام، وساعدهم على ذلك فلتانهم من العقاب، وتمتعهم بمعايير العدالة المثالية المطبقة في أرقى المجتمعات الغربية، مما لم يكن يسمحون بنسبة ضئيلة منها لسجنائهم. لأن هذه كانت رغبة القوات الامريكية التي كانت تدير العراق، حيث تضع هؤلاء المجرمين في سجون وتزودهم بأجهزة اتصالات متطورة فيخططون لعملياتهم التي تستهدف المدنيين من داخل تلك (السجون)!.. ولعل ابا بكر البغدادي الذي كان معتقلاً لدى القوات الأمريكية والعديد من أمثاله هم نماذج من العلاقة المشبوهة بين نزلاء تلك السجون الذين اطلقت القوات الأمريكية سراحهم، وبين الأدوار التخريبية التي سيقومون بها فيما بعد لتدمير العراق والمنطقة، خدمة لهدف محدد وهو ان تفتعل صراعات دموية داخل الامتين العربية والاسلامية لتحويل الانظار عن الجرائم التي ترتكبها اسرائيل بحق الشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة كافة، وكذلك تقسيم هذه الدول وتفتيتها لإضعافها الى اقصى ما يمكن حتى لا تفكر يوما بمواجهة الكيان الصهيوني، بل تضمن له هيمنة كاملة!!

فهل يقبل شيوخ الفتنة ومن لفّ لفّهم بأن يكونوا ترساً في آلة هذا المشروع الجهنمي، أم ان ضمائرهم وعقولهم ستصحو يوما، فيتقون الله في اوطانهم او فيما بقي منها؟!

جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الدولية.نت

(351)

email

مقالات ذات صلة